هدّارة حين تصبح الذاكرة الشفوية أرضاً بلا حار

ليست قصة «هدّارة»، طفل النعامة كما حفظته الرواية الشعبية الصحراوية، مجرد حكاية غريبة عن طفل تاه في الصحراء وعاش بين النعام قبل أن يعود إلى عالم البشر. فالجدل الذي عاد اليوم حول هويته يكشف مشكلة أكبر بكثير من تحديد مكان ولادته أو وفاته أو قبره: من يملك ذاكرة الصحراء عندما لا تكون هذه الذاكرة مكتوبة؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فتاريخ الصحراء، أكثر من تاريخ مناطق كثيرة، ظل قروناً طويلة محفوظاً في صدور الرجال والنساء، وفي الشعر والحكاية والأمثال والأنساب وأسماء الآبار والوديان ومسالك القوافل. كان الراوي كتاباً يمشي على قدمين، وكان الشيخ أرشيفاً، وكانت الخيمة مكتبة لا تحتاج إلى رفوف.
لكن للذاكرة الشفوية عمراً.
يموت الراوي، فتسقط معه صفحات لم تُكتب. ويرحل الشيوخ، فتضيع أسماء وأحداث ومسالك وقصص ربما لم تجد طريقها إلى وثيقة أو تسجيل. وما لا يضيع بحسن نية نتيجة الموت والنسيان وتغير أنماط الحياة، قد يتعرض للضياع بسوء نية عندما يدخل التاريخ سوق السياسة، ويبدأ البحث عن الماضي لتبرير خرائط الحاضر.
وهنا تصبح قصة هدّارة مثالاً بالغ الدلالة.
فالقول إن رجلاً عاش أو مات أو دفن في منطقة تقع اليوم داخل حدود دولة معينة، ثم إسقاط جنسية تلك الدولة الحديثة عليه بأثر رجعي، يطرح إشكالاً منهجياً قبل أن يكون سياسياً.
إذا صح أن هدّارة توفي سنة 1958، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل يمكن أن ننسب إلى رجل عاش في فضاء صحراوي مفتوح هوية سياسية بحدود وصيغ قانونية استقرت بعد وفاته؟
وهل كان البدوي الصحراوي الذي ينتقل بين واد نون والساقية الحمراء وتندوف وأدرار وشنقيط يرى المجال بالطريقة نفسها التي نقرأ بها اليوم الخرائط السياسية؟
الصحراء تاريخياً لم تكن خطوطاً مستقيمة مرسومة على الورق. كانت مجالاً بشرياً تتحرك داخله القبائل والقوافل وقطعان الإبل، وتربطه التجارة والمصاهرة والزوايا والأنساب ومواسم الانتجاع ومسالك الماء.
ولذلك فإن البحث في هوية شخصية مثل هدّارة لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: أين يقع قبره على خريطة اليوم؟
بل بأسئلة أكثر جدية:
من كانت قبيلته؟
من هم أهله؟
من روى قصته أول مرة؟
ما أقدم الروايات الشفوية المعروفة عنه؟
أين كان مجال ترحال الجماعة التي ينتمي إليها؟
وماذا تقول الوثائق الاستعمارية والرحلات والمراسلات والسجلات القديمة عن المنطقة وسكانها؟
حينها فقط يمكن الانتقال من الحكاية إلى التاريخ.
أما أن نضع خريطة القرن الحادي والعشرين فوق حياة رجل من النصف الأول من القرن العشرين، ثم نستخرج منها هويته، فإننا لا نبحث في التاريخ بقدر ما نجعل التاريخ يبحث لنا عن حجج سياسية.
الصحراء التي لم تكتب نفسها
ومشكلة هدّارة ليست استثناء.
كم شخصية صحراوية نعرفها اليوم من رواية واحدة؟
وكم معركة لا يزال تاريخها موزعاً بين ذاكرة شيخ هنا وقصيدة هناك؟
وكم اسم مكان تغير، فضاعت معه قصة؟
وكم حكاية انتقلت من الجد إلى الأب ثم توقفت عند جيل لم يعد يجلس طويلاً إلى الرواة؟
هذا هو الخطر الحقيقي.
فالتراث الذي لا يوثق يصبح متاحاً للجميع: يستطيع الباحث المنصف دراسته، كما يستطيع صاحب المصلحة اجتزاؤه وإعادة تركيبه، ويستطيع الإعلام تقديمه خارج سياقه، ثم تأتي الأجيال اللاحقة فتجد النسخة المنشورة على الإنترنت أكثر حضوراً من الرواية الأصلية التي مات أصحابها.
والسطو الثقافي لا يبدأ دائماً بسرقة لباس أو رقصة أو أكلة. أحياناً يبدأ بجملة صغيرة:
«هذه الشخصية لنا.»
ثم بعد سنوات تصبح الجملة مرجعاً، والمرجع وثيقة، والوثيقة «حقيقة» يعاد الاستشهاد بها.
لسنا في حاجة إلى حرب على التراث
لكن الرد على محاولات الاحتكار لا ينبغي أن يكون باحتكار مضاد.
فالتراث الصحراوي أوسع من الحدود السياسية الحديثة، وبعض عناصره مشتركة بين مجتمعات تمتد من جنوب المغرب إلى موريتانيا وتندوف وشمال مالي ومناطق أخرى من المجال الصحراوي.
قوة الموقف المغربي، إذاً، لا ينبغي أن تقوم على إنكار هذا التداخل، وإنما على التوثيق العلمي للتاريخ وإظهار امتداداته كما كانت، لا كما نريدها اليوم أن تكون.
فالهوية الواثقة لا تخشى الوثيقة.
وإذا كانت لدينا رواية أقوى، فلنوثقها. وإذا كانت هناك روايات متعددة، فلنجمعها. وإذا اختلف الشيوخ، فلنسجل اختلافهم أيضاً، لأن الاختلاف نفسه جزء من التاريخ.
قبل أن يموت آخر الرواة
لعل الجدل حول هدّارة ينبغي أن يتحول من معركة حول جنسية رجل مات قبل عقود إلى جرس إنذار.
نحن أمام آخر أجيال كثيرة عاشت مرحلة لم تدخل بالكامل إلى الكتاب.
ينبغي تسجيل شهادات كبار السن بالصوت والصورة، وجمع الشعر الحساني القديم، وتوثيق الأنساب بحذر علمي، وتصوير المواقع والمقابر والنقوش، ورسم مسارات القوافل والآبار القديمة، وجمع أسماء الأماكن كما ينطقها أهلها، ومقارنة الرواية الشفوية بالوثائق المغربية والموريتانية والإسبانية والفرنسية وغيرها.
بل لماذا لا ينشأ أرشيف رقمي كبير للذاكرة الصحراوية، تحفظ فيه الشهادات والصور والمخطوطات والأشعار والخرائط والروايات المتعددة، وتتاح مادته للباحثين؟
فالتراث الذي يبقى في الذاكرة معرض للنسيان، أما الذي يدخل الأرشيف فيصبح قابلاً للنقد والمقارنة والدراسة.
وقصة هدّارة نفسها تستحق ذلك.
بدلاً من أن نتخاصم حول جنسيته، فلنجمع كل الروايات عنه، ونحدد أقدمها، ونسجل شهادات من بقي ممن سمعوا قصته عن آبائهم وأجدادهم، ونبحث في الأرشيف الاستعماري ووثائق الرحالة، ثم نضع المادة أمام المؤرخين.
عندها قد نكتشف أن السؤال الأكثر إثارة ليس:
هل كان هدّارة مغربياً أم جزائرياً؟
بل:
هل كان هدّارة، في زمنه وفضائه الصحراوي، يعرف أصلاً الحدود التي نتخاصم اليوم من أجل وضعه داخلها؟
ذلك سؤال يختصر مأساة جزء كبير من تاريخ الصحراء.
فالصحراء لم تكن بلا تاريخ، لكنها كثيراً ما كانت بتاريخ بلا ورق.
وإذا لم نسارع اليوم إلى كتابة ما بقي في صدور الرواة، فقد يأتي زمن نجد فيه أنفسنا نبحث عن ذاكرتنا في كتب الآخرين، ثم ندخل معهم في جدال طويل لإثبات أن الحكاية التي سجلوها لأنفسهم كانت، في الأصل، تُروى ذات مساء حول نار خيمة من خيام أجدادنا ربما هنا في وادنون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد