الحسانية هوية دستورية.. ومعهدها الملكي ضرورة وطنية بعد قرار 2797
في لحظة تاريخية غير مسبوقة، توشك قضية الصحراء المغربية على طي صفحتها النهائية، بعد أن تبنى مجلس الأمن الدولي، في 31 أكتوبر 2025، القرار الأممي 2797 الذي يعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “الإطار الوحيد للتفاوض” نحو حل سياسي واقعي. هذا التحول النوعي، الذي وصفه جلالة الملك محمد السادس بأنه “محطة مفصلية ومنعطف حاسم في تاريخ المغرب الحديث”، يضعنا أمام مسؤولية ثقافية وسياسية جديدة، تتجاوز البعد الترابي والسيادي إلى صلب المشروع المجتمعي للحكم الذاتي: الحفاظ على الهوية الثقافية الحسانية وتعزيزها، وهو ما يستدعي بالإلحاح إحداث المعهد الملكي للثقافة الحسانية.
نصت مبادرة الحكم الذاتي المغربية لعام 2007، التي أصبحت اليوم أساس الحل السياسي، بوضوح على أن الجهة ستتمتع بصلاحيات واسعة في المجال الثقافي، ومن بينها “الحفاظ على الهوية الثقافية الحسانية، بما يشمل النهوض بالتراث المحلي وتعزيز الانتماء الثقافي”. كما أشارت المبادرة إلى أن سكان الجهة سيدبرون شؤونهم المحلية في ميادين متعددة، من بينها التنمية الثقافية، مع ضمان التمثيل المناسب للمواطنين في الهيئات المنتخبة.
فإذا كانت مأسسة الحكم الذاتي تقتضي نقل اختصاصات إلى جهة الصحراء، فإن النهوض بالثقافة الحسانية ليس مجرد خيار، بل التزام دستوري ومقتضى من مقتضيات النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. واليوم، ومع احتضان القرار الأممي لمقترح الحكم الذاتي، صار لزاماً على المملكة أن تواكب هذا التطور المؤسسي الكبير بخلق مؤسسة ملكية تكون الذراع الثقافية لهذا المشروع، وجسراً يربط الصحراويين بهويتهم في إطار السيادة المغربية الموحدة.
القرار الأممي 2797، بإجماع دولي واسع، لم يكتف بدعم المبادرة المغربية، بل دعا صراحة الأطراف إلى التفاوض على أساس “الخطة الموسعة والمحدثة للحكم الذاتي” التي أعلن عنها جلالة الملك. وهذا التحول، الذي أنهى عقوداً من الغموض حول المصير النهائي للنزاع، يمنح المملكة فرصة تاريخية لتكريس السيادة المغربية على الصحراء من خلال تعميق البعد الثقافي والتنموي.
في هذا السياق، يصبح إحداث المعهد الملكي للثقافة الحسانية أولوية ملحة، لأنه سيكون المؤسسة التي ستتولى:
· توثيق وصيانة التراث الحساني، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية، وحمايته من التشويه والانتهاك الذي طاله في بعض الإنتاجات الإعلامية غير المسؤولة.
· تأطير النهضة الثقافية التي ستعرفها الجهة في إطار الحكم الذاتي، عبر إدماج الحسانية في المناهج التعليمية، وتشجيع الإنتاج الفني والأدبي الأصيل.
· تعزيز الإشعاع الثقافي للمغرب في فضاء الساحل والصحراء، وجعل المعهد منبراً للتبادل الثقافي مع دول الجوار التي تتشارك في التراث الحساني.
ليست دعوة إحداث المعهد وليدة اليوم. فقد طالب به الباحثون والشعراء والفنانون والنخب الصحراوية في عدة محافل، واعتبروه ضرورة لـ “بلورة المكونات التاريخية والتراثية والدينية للثقافة الحسانية، التي تفتقر إلى إطار مؤسسي يمكن أن يتجسد في معهد ملكي يُسند إلى إدارة كفؤة من أبناء نخب المنطقة”. كما برزت الدعوة في ندوات صحفية تحولت إلى مطالب جماعية بإنشاء معهد ملكي لحماية التراث الحساني من التشويه.
واليوم، وبعد أن وفر القرار الأممي 2797 الغطاء السياسي والقانوني لتفعيل مبادرة الحكم الذاتي، لا يمكن التذرع بعدم الاستعداد أو الجاهزية. فالوقت قد حان لترجمة هذه المطالب إلى واقع ملموس، عبر إصدار الظهير الشريف المحدث والمنظم للمعهد، وتعيين كفاءات وطنية وعلمية متخصصة، وتوفير الميزانية الكافية لانطلاقه.
إن إحداث المعهد الملكي للثقافة الحسانية، في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ قضيتنا الوطنية، ليس مجرد استجابة لمطلب ثقافي أو نخبوي، بل هو ضرورة سياسية وحضارية لتجسيد مضمون الحكم الذاتي في بعده الإنساني والثقافي، وإثبات أن السيادة المغربية على الصحراء ليست مجرد سيادة ترابية، بل سيادة على الهوية والذاكرة والمستقبل. والأمل معقود على أن تحظى هذه المبادرة، كما حظيت مبادرة الحكم الذاتي، بإرادة ملكية سامية، تكون الرافعة الحقيقية لانطلاق هذا الصرح الحضاري الذي طال انتظاره.