من يمثل الصحراويين بعد نصف قرن من النزاع؟

في خضم النقاشات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء، ما زالت بعض الأطراف تتشبث بمقولة “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي”، وكأن الزمن توقف عند سبعينيات القرن الماضي، وكأن التحولات التي عرفتها المنطقة والعالم طوال أكثر من خمسين سنة لم تحدث.

لقد نشأت جبهة البوليساريو في سياق تاريخي خاص، طبعته مرحلة تصفية الاستعمار وصعود الحركات الثورية والتحررية. غير أن ما كان قابلاً للنقاش قبل نصف قرن، أصبح اليوم يفرض أسئلة جديدة تتعلق بمفهوم الشرعية والتمثيلية السياسية.

فالشرعية لا تُمنح إلى الأبد، ولا تتحول إلى إرث سياسي دائم. إنها تتجدد بإرادة الناس وبقدرة المؤسسات على التعبير عن تطلعاتهم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من أسس الجبهة أو متى تأسست، بل من يمثل الصحراويين فعلاً في سنة 2026؟

إن التمثيلية لا تُقاس بالشعارات ولا بالموروث السياسي، بل بالتفويض الشعبي المتجدد. وبعد أكثر من خمسين سنة من النزاع، لا يمكن اختزال مئات الآلاف من الصحراويين داخل الأقاليم الجنوبية وفي المخيمات والمهجر في تنظيم واحد. فالصحراويون اليوم أكثر تنوعاً من أي وقت مضى، والشرعية الحقيقية يجب أن تنبع من إرادة السكان الذين يعيشون فوق الأرض ويتحملون مسؤولية بناء مستقبلها، لا من ادعاء احتكار الحديث باسمهم.

ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن تمثيل حصري لشعب بأكمله في الوقت الذي يعيش فيه الجزء الأكبر من أبناء الصحراء داخل الأقاليم الجنوبية، يشاركون في الانتخابات، ويدبرون شؤونهم المحلية عبر مؤسسات منتخبة، وينخرطون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمنطقة؟

إن المنتخبين المحليين، ورؤساء الجماعات، وأعضاء المجالس الجهوية، والبرلمانيين المنحدرين من الصحراء، قد يختلف الناس حول أدائهم أو اختياراتهم، لكنهم يمتلكون على الأقل شرعية صناديق الاقتراع، وهي شرعية قابلة للتجديد والمحاسبة، بخلاف شرعية تاريخية جامدة تدعي الحديث باسم أجيال لم تستشر يوماً.

وفي المقابل، تستمر الجزائر في تقديم نفسها كطرف مراقب، بينما تؤكد الوقائع السياسية والدبلوماسية أنها فاعل أساسي في هذا النزاع منذ نشأته. فمن الصعب الفصل بين البوليساريو والدعم السياسي والدبلوماسي واللوجستي الذي وفرته الجزائر على مدى عقود، كما يصعب الحديث عن حل نهائي دون حضور جميع الأطراف المؤثرة في صناعة القرار.

لقد أضاع هذا النزاع على شعوب المنطقة المغاربية فرصاً هائلة للتنمية والتكامل والتعاون. واليوم، وبعد نصف قرن من الجمود، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد يتعلق بإعادة إنتاج خطابات الماضي، بل بالبحث عن آليات واقعية تضمن الاستقرار وتحفظ الكرامة وتفتح آفاق المستقبل.

إن النقاش لم يعد حول من يمثل الصحراويين حصراً، بل حول كيفية تمكين جميع الصحراويين، أينما وجدوا، من التعبير عن أصواتهم بحرية والمساهمة في رسم مستقبلهم. فالشعوب أكبر من التنظيمات، والتاريخ لا يتوقف عند جيل واحد، والشرعية لا تُحتكر إلى الأبد.

وبعد خمسين عاماً من النزاع، ربما حان الوقت للانتقال من سؤال “من يتحدث باسم الصحراويين؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “كيف نبني مستقبلاً يتسع لجميع الصحراويين ويضع حداً لأطول نزاع في المنطقة المغاربية؟”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد