من «البرلمان الموريتاني» إلى «حكومة بلا جنوب»… حين يصبح التعدد مجرد ديكور

هل تتسع مؤسسات المغرب لكل هوياته وكفاءاته، أم أن الاعتراف بالتنوع ينتهي حيث تبدأ السلطة؟

ليس أخطر على التعدد الثقافي من أن يتحول إلى شعار نرفعه في المناسبات، ثم نتبرم منه عندما يحضر داخل المؤسسات. وليس أكثر إثارة للتساؤل من أن نستحضر الصحراء في كل خطاب يتعلق بالسيادة والوحدة الترابية، ثم نجد أنفسنا مضطرين إلى طرح سؤال بسيط: أين موقع أبنائها من صناعة القرار؟

أعاد الجدل المتداول حول استعمال الحسانية داخل البرلمان المغربي هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما أبدى نائب عن فيدرالية اليسار تساؤل عما إذا كان يوجد في «البرلمان الموريتاني»، تعبيراً عن استغرابه من تحدث رئيس الجلسة بالحسانية. وبصرف النظر عن ضرورة التثبت من التسجيل الكامل وسياق التصريح، فإن الجدل نفسه يكشف حساسية أعمق تتعلق بمكانة أحد المكونات الأصيلة للهوية المغربية داخل مؤسسات الدولة.

فالحسانية ليست لغة جاءت إلى المغرب عبر الحدود، ولا إرثاً مستعاراً من دولة مجاورة، ولا مجرد فولكلور يُستدعى لتزيين المهرجانات. إنها تعبير ثقافي وتاريخي متجذر في الصحراء المغربية، وحاضرة في الذاكرة الجماعية لساكنتها، ومعترف بها دستورياً باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المغربية.

والمفارقة أن الاستغراب المنسوب إلى نائب ينتمي إلى تيار يساري يفتح نقاشاً إضافياً حول المسافة بين الخطاب والممارسة. فاليسار الذي جعل من الدفاع عن التعدد والاختلاف والمساواة إحدى مرجعياته مطالب، مثل غيره من التيارات، بأن يترجم تلك المبادئ إلى مواقف واضحة عندما يتعلق الأمر بالحسانية وبحقوق الناطقين بها.

لكن المسألة لا تتوقف عند لغة يتحدث بها رئيس جلسة برلمانية. إنها تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمن يحضر داخل المؤسسات، ومن يظل خارج دوائر القرار.

ففي السادس عشر من أكتوبر 2026، جرى تعيين حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بتشكيلة تضم 32 عضواً. وهو تحول تاريخي على مستوى وصول المرأة إلى رئاسة الجهاز التنفيذي، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً مشروعاً حول التوازن المجالي في اختيار النخب الحكومية، ولا سيما تمثيلية الأقاليم الجنوبية الثلاث: كلميم وادنون، والعيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب.

فهل يعقل أن تظل هذه المجالات حاضرة بقوة في الرهانات الاستراتيجية للمملكة، بينما يثار الجدل بشأن حضور كفاءاتها في مواقع المسؤولية الوطنية؟

ليس المطلوب أن يحمل كل وزير شهادة انتماء جغرافي، ولا أن تتحول الحكومة إلى مجلس لتوزيع الحقائب بحسب القبائل والجهات. فالمغرب لا يحتاج إلى محاصصة جهوية جديدة، وإنما يحتاج إلى تكافؤ حقيقي في الفرص وإلى آليات حزبية ومؤسساتية تتيح للكفاءات، أينما وُجدت، الوصول إلى مراكز القرار.

لكن حين يتكرر الإحساس بضعف الحضور السياسي لأبناء الجنوب، يصبح من حق المواطنين مساءلة الأحزاب عن معايير اختيار مرشحيها للمناصب الحكومية، وعن مدى انفتاح دوائر القرار الحزبي على الكفاءات القادمة من المناطق البعيدة عن المركز.

والسؤال هنا ليس ما إذا كان الوزير صحراوياً، بل ما إذا كانت الكفاءة الصحراوية تجد الطريق نفسه الذي يجده غيرها نحو الوزارة.

إن الجنوب ليس مجرد خزان انتخابي، ولا مساحة جغرافية تُستحضر في المناسبات الوطنية، ولا واجهة للترافع الدبلوماسي عند اشتداد النقاش حول قضية الصحراء. إنه مجتمع حي، يضم جامعيين وأطباء ومهندسين واقتصاديين وقانونيين وأطر إدارة وخبرات وطنية ودولية، لا ينبغي أن تختزل مشاركتهم في التصفيق للمشاريع أو الدفاع عن القرارات التي لم يشاركوا في صياغتها.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التفكير: كيف نطالب الإنسان الصحراوي بأن يكون في الصفوف الأمامية للدفاع عن مغربية الصحراء، ثم لا نطرح بالجدية نفسها سؤال مشاركته في تدبير الشأن العام الوطني؟

إن قوة الموقف المغربي في قضية الصحراء لا تنفصل عن قدرة الدولة ومؤسساتها وأحزابها على جعل أبناء هذه المجالات شركاء كاملين في التنمية والقرار، لا مجرد شهود على التاريخ أو مدافعين عن الجغرافيا.

ومن زاوية أخرى، يعيد هذا النقاش مطلب إحداث معهد ملكي يعنى بالحسانية إلى دائرة الاهتمام.

فإذا كانت الأمازيغية قد استفادت من مؤسسة متخصصة منذ إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001، فإن الحسانية تستحق بدورها سياسة مؤسساتية واضحة، تستثمر في البحث العلمي والتوثيق والمعاجم والآداب الشفوية والتكوين والإنتاج الثقافي والإعلامي.

صحيح أن الإطار القانوني للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية ينص على هيئة خاصة بالحسانية واللهجات والتعبيرات الثقافية الأخرى، لكن ذلك لا يمنع مناقشة مدى كفاية هذا الإطار، ولا يغلق الباب أمام المطالبة بمؤسسة متخصصة ذات إمكانات وصلاحيات واضحة.

فحماية الحسانية لا تتحقق بمجرد إدراج اسمها في النصوص، بل بتمكينها من وسائل الاستمرار والتطور، وفتح المجال أمام حضورها الطبيعي في الثقافة والإعلام والتعليم والبحث العلمي، دون افتعال خصومة بينها وبين العربية أو الأمازيغية.

والأهم أن الدفاع عن الحسانية يجب ألا يتحول بدوره إلى انغلاق هوياتي. فالهوية المغربية لم تكن يوماً هوية أحادية، بل تشكلت عبر روافد متعددة تفاعلت وتداخلت على امتداد التاريخ. والاعتراف بأحد هذه الروافد لا ينتقص من غيره، بل يعزز المشترك الوطني.

إن الاختبار الحقيقي للتعدد ليس في عدد الألوان التي نضعها على الملصقات الرسمية، ولا في تنوع الأزياء خلال الاستقبالات والمهرجانات، وإنما في قدرة المؤسسات على احتضان الاختلاف دون استغراب، وعلى ضمان المشاركة دون تمييز، وعلى تحويل الاعتراف الدستوري إلى ممارسة يومية.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، بل تشمل الأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون مدارس لإنتاج النخب، والجامعات التي تصنع الكفاءات، والمؤسسات التي تحدد معايير الترقي والوصول إلى المسؤوليات.

فلا يكفي أن ترفع الأحزاب شعارات الجهوية والإنصاف المجالي، ثم تبقى صناعة القيادات محصورة في دوائر ضيقة. ولا يكفي أن تتحدث عن التنوع الثقافي، ثم يصبح سماع الحسانية داخل البرلمان موضوع استغراب أو جدل.

لقد حان الوقت لطرح أسئلة عملية: ما الذي يمنع الأحزاب من تأهيل قيادات وطنية من الأقاليم الجنوبية؟ وما مدى حضور أبناء هذه الجهات في مكاتبها السياسية وأجهزتها التقريرية؟ وهل تتيح آليات الاختيار فرصاً متكافئة للكفاءات القادمة من الهامش والمركز؟ وما الذي يمنع إطلاق مشروع مؤسساتي طموح للنهوض بالحسانية باعتبارها مكوناً من التراث الوطني المشترك؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في وطنية أحد، ولا تحويل الانتماء الجهوي إلى امتياز سياسي، وإنما تسعى إلى اختبار مدى انسجام الممارسة المؤسساتية مع المبادئ التي يعلنها المغرب في دستوره وخياراته التنموية.

فالمغرب الذي يتسع في جغرافيته من طنجة إلى الكويرة، ينبغي أن يتسع في مؤسساته لكل أبنائه، وفي فضائه الثقافي لكل روافده، وفي مواقع قراره لكل كفاءاته.

أما أن نحتفي بالحسانية فوق منصات المهرجانات ثم نستغرب سماعها تحت قبة البرلمان، أو أن نستحضر الإنسان الصحراوي عندما نحتاج إلى شهادته في الدفاع عن الأرض دون أن نمنحه فرصاً عادلة للمشاركة في تدبيرها، فذلك تناقض يستحق النقاش والمراجعة.

فالوحدة الوطنية لا تقاس فقط باتساع الخريطة، بل أيضاً باتساع الفرص. والتعدد الحقيقي لا يظهر في الصور التذكارية، وإنما في من يجلس حول طاولة القرار.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع:

هل نريد تعدداً يعيش داخل المؤسسات، أم مجرد تنوع جميل نعلقه على جدرانها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد