الكويرة.. حين تتحول الجغرافيا إلى سارية لعلم الوطن
ليست الكويرة مجرد نقطة جغرافية في أقصى الجنوب، ولا لساناً رملياً تمتد أطرافه في مياه المحيط الأطلسي، بل هي في المخيال المغربي أكثر من ذلك بكثير. إنها آخر امتداد لخريطة الوطن، والنقطة التي تنتهي عندها اليابسة لتبدأ منها رمزية السيادة والانتماء.
وحين نتأمل خريطة شبه جزيرة رأس نواذيبو، حيث تمتد الكويرة على الجانب الغربي المطل على المحيط الأطلسي، يمكن للخيال أن يحول هذا الامتداد الضيق إلى سارية طبيعية عملاقة، تنغرس جذورها في الأرض، ويرتفع فوقها العلم المغربي خفاقاً في وجه الرياح القادمة من الأطلسي. وكأن الجغرافيا نفسها اختارت أن تكون حاملة لرمز الوطن، لا قطعة أرض معزولة يمكن اقتطاعها أو المساومة بشأنها.
تأتي هذه الصورة الرمزية في سياق ما تداولته وسائل إعلام، نقلاً عن مجلة «جون أفريك»، بشأن احتمال ربط الموقف الموريتاني من قضية الصحراء بمطالب تتعلق بالكويرة. وإذا صحت فرضية المقايضة بين الاعتراف بمغربية الصحراء والتخلي عن هذه المنطقة، فإننا سنكون أمام مفارقة سياسية تستحق التوقف والتأمل: كيف يمكن لدولة خاضت معركة دبلوماسية امتدت لأكثر من نصف قرن دفاعاً عن وحدة ترابها أن تقبل في النهاية تجزئة ما ظلت تدافع عن وحدته؟
غير أن المسؤولية تقتضي التمييز بين الأخبار المتداولة والمواقف الرسمية المثبتة، فلا يجوز تحويل فرضية صحفية إلى حقيقة دبلوماسية قبل التأكد من مضمونها. لكن ذلك لا يمنع من مناقشة المبدأ ذاته، بعيداً عن الاتهامات المسبقة أو الأحكام الجاهزة.
لقد تحمل المغرب طوال العقود الماضية كلفة سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة بسبب نزاع الصحراء، وجعل من الدفاع عن وحدته الترابية ثابتاً مركزياً في سياسته الخارجية. لذلك يبدو من الصعب، من منظور هذا الثابت، تصور أن يكون الاعتراف بموقفه السياسي ثمناً لتنازل ترابي جديد.
فالاعتراف الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، يظل موقفاً سياسياً قابلاً للتطور والمراجعة، أما الأرض فهي حقيقة جغرافية وتاريخية لا يمكن استعادتها بسهولة إذا تحولت إلى موضوع تنازل سيادي.
ثم إن العلاقات المغربية الموريتانية أعمق من أن تختزل في خلاف حدودي أو في حسابات مينائية وتجارية. فبين البلدين امتداد بشري وقبلي وثقافي لا تستطيع الحدود السياسية محوه، وتاريخ مشترك يجعل التعاون أكثر جدوى من التنافس على آخر الأمتار المطلة على المحيط.
ومن حق موريتانيا أن تبحث عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وأن تسعى إلى تعزيز موقع نواذيبو ومينائها ومجالها البحري. كما أن من حق المغرب أن يتمسك بموقفه من حدوده ووحدته الترابية. لكن التوفيق بين المصالح لا يستلزم بالضرورة تغيير السيادة على الأرض؛ فالتكامل الاقتصادي والمشاريع المشتركة والاتفاقيات البحرية واللوجستية يمكن أن تقدم بدائل عملية للتوتر.
إن الكويرة، في هذه المعادلة، ليست مجرد مساحة يمكن قياس قيمتها بعدد الكيلومترات المربعة أو بحجم الموارد المتاحة. فقيمة الأرض في وجدان الشعوب لا تتناسب دائماً مع مساحتها، وقد تكون أصغر نقطة على الخريطة أكبر من أن تستوعبها كل الحسابات السياسية.
ومن طنجة إلى الكويرة، ظلت العبارة تتردد باعتبارها تعبيراً عن وحدة الوطن في الوجدان المغربي. ولذلك فإن تحويل الكويرة إلى سارية تحمل العلم المغربي فوق المحيط ليس مجرد اختيار فني في تصميم صورة، بل استعارة بصرية تختزل موقفاً سياسياً وشعوراً وطنياً: أن آخر شبر من الأرض ليس هامشاً يمكن الاستغناء عنه، بل جزء من المعنى الذي تقوم عليه وحدة الوطن.
لكن التطور الأهم أن الحكومة الموريتانية، على لسان ناطقها الرسمي محمد ولد ببانا، نفت يوم 21 أكتوبر 2026 أن تكون قد قدمت مطالب جديدة بشأن الكويرة، وأكدت أن دعوتها إلى توضيح الحدود لا تعني المطالبة بالسيادة على المنطقة. وهذا التوضيح يستحق أن يؤخذ بالجدية نفسها التي حظيت بها الأخبار الأولى.
كما ينبغي ألا نغفل خصوصية الوضع الميداني للكويرة، التي تقع ضمن المجال الذي يطالب المغرب بسيادته عليه، بينما تشير تقارير صحفية إلى استمرار الوجود العسكري الموريتاني فيها منذ عقود. وهي وضعية تجعل المعالجة القانونية والدبلوماسية ضرورية، بعيداً عن اختزال الملف في الشعارات وحدها.
إن الصورة التي نريدها للكويرة ليست صورة أرض تتنازعها الحسابات، بل صورة جغرافيا تتحول إلى رمز للتواصل بين ضفتي الصحراء والأطلسي، وإلى شاهد على أن الحدود يمكن أن تكون جسور تعاون دون أن تصبح بالضرورة موضوع مقايضة.
وفي النهاية، قد تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتُراجع المواقف الدبلوماسية، لكن الشعوب تحتفظ في ذاكرتها برموز لا تقبل اختزالها في الصفقات.
فالكويرة، في الوجدان المغربي، ليست مجرد نهاية للخريطة، بل سارية طبيعية لعلم يرفرف فوق الأطلسي. وإذا كانت الرياح قادرة على تغيير اتجاه العلم، فإنها لا تستطيع اقتلاع الأرض التي تحمل ساريته.
ذلك هو الفرق بين جغرافيا تُرسم على الورق، ووطن يسكن الذاكرة والوجدان.