تغييب الكفاءات الصحراوية عن الحكومة… سؤال الإنصاف السياسي ومصداقية الحكم الذاتي
بقلم: امبارك زرموح
أثار التصريح الذي أدلى به الدكتور والأكاديمي الطالب بويا زايدنا لجريدة «إضافة»، بشأن غياب الكفاءات الصحراوية عن التشكيلة الحكومية الجديدة المنسوبة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، إشكالية سياسية تتجاوز حدود توزيع الحقائب الوزارية، لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة ومكوناتها المجالية والبشرية، وتعيد إلى الواجهة سؤال الإنصاف في الولوج إلى مراكز القرار، خصوصاً في مرحلة يراهن فيها المغرب على ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطاراً لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء.
فالمسألة لا تتعلق بمطالبة جهوية بحقيبة وزارية، ولا بالسعي إلى تكريس محاصصة قبلية أو مجالية داخل الحكومة، وإنما تتصل بمبدأ تكافؤ الفرص والاعتراف بالكفاءات الوطنية، بعيداً عن الاعتبارات الحزبية الضيقة والحسابات السياسية الظرفية. وإذا كان الانتماء الجغرافي لا ينبغي أن يشكل امتيازاً في تقلد المسؤوليات، فإنه بالمقابل لا يجوز أن يتحول إلى عامل إقصاء، صريحاً كان أو ضمنياً، يحرم مكوناً وطنياً من الإسهام في صناعة القرار الحكومي.
لقد شكلت الأقاليم الجنوبية، على امتداد عقود، محوراً أساسياً في السياسة الوطنية، سواء من خلال الجهود الدبلوماسية المبذولة للدفاع عن الوحدة الترابية، أو عبر الاستثمارات العمومية الكبرى والمشاريع التنموية التي عرفتها المنطقة. كما أبانت ساكنتها عن انخراط سياسي ومؤسساتي، وأسهمت نخبها في الدفاع عن الموقف المغربي داخل الوطن وخارجه. ومن ثم فإن التساؤل عن حضور هذه النخب في المؤسسات الحكومية لا يمكن اعتباره مطلباً فئوياً، بل يدخل في صميم النقاش حول مدى انسجام الممارسة السياسية مع الخطاب الوطني الداعي إلى المشاركة والإنصاف المجالي.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما نستحضر أن المغرب يقدم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مشروعاً مؤسساتياً يمنح سكان الصحراء دوراً أساسياً في تدبير شؤونهم، في إطار السيادة الوطنية. فالحكم الذاتي ليس مجرد صيغة قانونية لتوزيع الاختصاصات بين المركز والجهة، وإنما يقوم في جوهره على الثقة في الإنسان المحلي، والاعتراف بقدرته على تحمل المسؤولية والمساهمة في تحديد الأولويات التنموية والسياسية. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن تعزيز مصداقية هذا التوجه إذا ظلت الكفاءات المنحدرة من المنطقة بعيدة عن مواقع المسؤولية الحكومية، وهي مواقع يفترض أن تكون مفتوحة أمام جميع المغاربة وفق معايير الاستحقاق والكفاءة؟
صحيح أن المشاركة في الحكومة المركزية تختلف، من الناحية الدستورية والمؤسساتية، عن ممارسة الاختصاصات داخل نظام للحكم الذاتي، وأن غياب وزير من جهة معينة لا يشكل في حد ذاته حكماً على جدية المشروع. غير أن السياسة لا تقاس بالنصوص وحدها، بل كذلك بالإشارات التي تبعثها الممارسة المؤسساتية، وبقدرتها على تعزيز الثقة لدى المواطنين والشركاء الدوليين. ولذلك فإن استمرار ضعف حضور النخب الصحراوية في مراكز القرار، إن ثبت، قد يفتح المجال أمام تساؤلات وانتقادات كان بالإمكان تفاديها من خلال اعتماد اختيارات سياسية أكثر انفتاحاً على الكفاءات المؤهلة بمختلف جهات المملكة.
ولا ينبغي أن ينحصر هذا النقاش في العيون والداخلة وحدهما، بل يتعين أن يستحضر كذلك المجال التاريخي والبشري لوادنون، بما يحمله من امتدادات اجتماعية وثقافية وقبلية نحو الصحراء، وبما أنجبه من أطر وكفاءات في الإدارة والتعليم والقضاء والاقتصاد والدبلوماسية. فجهة كلميم وادنون، التي شكلت عبر التاريخ فضاءً للتواصل بين شمال المغرب وعمقه الصحراوي والإفريقي، لا يمكن اختزال دورها في موقع جغرافي انتقالي أو في تمثيلية محلية محدودة، بل تستحق كفاءاتها، شأنها شأن باقي الكفاءات الوطنية، فرصاً عادلة للمساهمة في تدبير الشأن العام على أعلى المستويات.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الوزراء المنحدرين من هذه الجهة أو تلك، وإنما في طبيعة الآليات التي تنتج النخب وتفتح أمامها أبواب المسؤولية. فحين تصبح المواقع الحكومية محكومة أساساً بالتوازنات الحزبية وشبكات النفوذ، تتراجع فرص الكفاءات التي لا تتوفر على سند سياسي قوي، مهما بلغت مؤهلاتها العلمية أو خبرتها المهنية. وهنا تتحمل الأحزاب السياسية جانباً مهماً من المسؤولية، لأنها مطالبة بتأهيل نخب قادرة على تحمل المسؤوليات الوطنية، لا بالاكتفاء باستحضار الشخصيات المحلية خلال الاستحقاقات الانتخابية أو المناسبات المرتبطة بالقضية الوطنية.
ولعل ما يمنح هذا الموضوع بعداً إضافياً هو أن المغرب يوجد أمام تحدي الانتقال من مرحلة الدفاع الدبلوماسي عن مبادرة الحكم الذاتي إلى مرحلة التفكير في شروط تنزيلها المؤسساتي والسياسي. وهذا الانتقال يقتضي، إلى جانب الإصلاحات القانونية والتنظيمية، ترسيخ ثقافة المشاركة وإشراك أبناء المنطقة في بلورة التصورات المتعلقة بمستقبلها. فالمشاريع التنموية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تعوض الحاجة إلى التمكين السياسي، كما أن تشييد الطرق والموانئ والمناطق الصناعية لا يغني عن الاستثمار في الإنسان وإتاحة الفرصة أمامه للمساهمة في تحديد الخيارات التي تمس حياته ومستقبل مجتمعه.
ومن هذه الزاوية، فإن ضعف التمثيل السياسي، عندما يتحول إلى ظاهرة متكررة، قد يؤثر في الإحساس بالإنصاف والانتماء المؤسساتي، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة التي تطمح إلى تجاوز الأدوار التقليدية للنخب المحلية والانخراط في تدبير الملفات الوطنية الكبرى. كما يمكن أن يصبح موضوعاً للتوظيف في السجالات الدولية حول الصحراء، حيث لا يقتصر تقييم المشاريع السياسية على مضمونها النظري، وإنما يمتد إلى مدى انسجامها مع الممارسات الفعلية. والرد الأكثر إقناعاً على مثل هذه الانتقادات يظل في توسيع المشاركة وإثبات قدرة المؤسسات على استيعاب مختلف الكفاءات الوطنية.
إن الإنصاف المجالي الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للنموذج التنموي المغربي لا ينبغي أن يقتصر على توزيع الاستثمارات والاعتمادات المالية، بل يجب أن يمتد إلى العدالة في الوصول إلى المسؤوليات العمومية. فالتنمية المتوازنة لا تتحقق فقط بتقليص الفوارق الاقتصادية بين الجهات، وإنما كذلك بتجاوز التفاوت في فرص التأثير في السياسات الوطنية. والمواطن الذي يرى أبناء منطقته يساهمون في تدبير الشأن العام لا يبحث بالضرورة عن امتياز جغرافي، بل عن تأكيد عملي بأن المواطنة تمنحه الحقوق والفرص نفسها التي يتمتع بها غيره.
وإذا كان من حق رئيس الحكومة اختيار فريق منسجم قادر على تنفيذ البرنامج الحكومي، فإن من المشروع أيضاً مساءلة المعايير التي تحكم هذه الاختيارات، ومدى قدرتها على التعبير عن التنوع الوطني دون السقوط في منطق المحاصصة. فالكفاءة والنزاهة والقدرة على التدبير ينبغي أن تظل محددات أساسية للاستوزار، غير أن اعتماد هذه المعايير يفترض البحث عن المؤهلات حيثما وجدت، وعدم حصر الاختيار في الدوائر السياسية والجغرافية المعتادة.
إن إثارة الدكتور الطالب بويا زايدنا لهذه القضية تفتح، في نهاية المطاف، نقاشاً يتجاوز أسماء الوزراء وصفاتهم، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً حول المكانة التي تحتلها الكفاءات الصحراوية في التصور الوطني للمشاركة السياسية. فالمغرب الذي يدافع عن حق سكان الصحراء في تدبير شؤونهم ضمن مشروع الحكم الذاتي، مدعو إلى جعل ممارساته المؤسساتية منسجمة مع فلسفة الثقة والمشاركة التي يقوم عليها هذا المشروع، دون أن يعني ذلك ربط مصداقيته بوجود أشخاص بعينهم داخل الحكومة.
وليس المطلوب أن تتحول الصحراء إلى مصدر دائم للمطالبة بحصص وزارية، ولا أن يصبح الانتماء إليها شرطاً للحصول على المسؤولية، بل أن تتوافر لأبنائها فرص فعلية وعادلة للمنافسة على مختلف المناصب الوطنية، وأن يشعر المواطن الصحراوي بأن مؤهلاته تفتح أمامه أبواب المؤسسات المركزية بالقدر نفسه الذي تفتحها أمام غيره من المواطنين.
فالقضية في عمقها ليست قضية حقيبة وزارية غائبة، وإنما قضية ثقة سياسية ينبغي أن تتجسد في الممارسة، ومواطنة متساوية لا تقف عند حدود الشعارات. وإذا كان الحكم الذاتي يمثل رهاناً استراتيجياً للمغرب، فإن تعزيز مصداقيته يمر أيضاً عبر بناء مؤسسات تستوعب الكفاءات المحلية وتمنحها مكانتها الطبيعية في تدبير الشأن الوطني.
ذلك أن الدفاع عن مغربية الصحراء لا ينفصل عن تمكين أبنائها من الإسهام في بناء المغرب، وأن الثقة التي نريد ترسيخها في قدرتهم على تدبير شؤونهم ينبغي أن تجد امتدادها في الثقة بقدرتهم على المشاركة في تدبير شؤون الوطن بأكمله.
فكيف نقنع العالم بقدرة أبناء الصحراء على ممارسة الحكم الذاتي، إذا ظلت مشاركتهم في أعلى مستويات القرار الوطني موضع تساؤل؟