الخطاب الملكي بين السطور: مغرب جديد لا مكان فيه للتردد ولا شرعية فيه دون إنجاز
قراءة في الرسائل السياسية والاقتصادية والدبلوماسية الموجهة إلى الحكومة والبرلمان والجهات والشركاء الدوليين.
ليست كل الخطابات السياسية مجرد كلمات تُلقى في مناسبات رسمية، فبعضها يحمل من الرسائل ما يتجاوز منطوق العبارات، ويؤسس لتحولات عميقة في تدبير الدولة وعلاقاتها بمؤسساتها ومواطنيها وشركائها. ولعل الخطاب الملكي المعروض بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة يندرج ضمن هذا الصنف من الخطابات التي ينبغي ألا نكتفي بقراءتها، بل أن نقرأ ما بين سطورها، وأن نتوقف عند ما قيل فيها، وما يمكن استنتاجه من ترتيب الأولويات، وما تُرك للفاعلين السياسيين والمؤسساتيين من مسؤولية التأويل والتنفيذ.
لقد استهل الملك خطابه بتهنئة البرلمانيين على ثقة الناخبين، لكنه ختمه بتذكيرهم بأن الانتداب البرلماني تعاقد سياسي وأخلاقي، وأنهم مسؤولون أمام الله والمواطنين والتاريخ.
وبين التهنئة والتذكير رسالة لا تخطئها العين: إن صناديق الاقتراع تمنح الشرعية للتمثيل، لكنها لا تمنح شهادة دائمة بحسن الأداء.
فالبرلماني الذي يدخل المؤسسة التشريعية محمولاً على أصوات المواطنين لا يصبح مالكاً لتلك الأصوات، بل مؤتمناً عليها. والحكومة التي تتولى تدبير الشأن العام لا تكتسب مشروعيتها الكاملة بمجرد تشكيل أغلبيتها، وإنما بقدرتها على تحويل تعهداتها إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
ولعل أول ما يستوقف القارئ هو استحضار الملك لعبارته الشهيرة سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي».
غير أن الأهم ليس في استحضار الاعتزاز بالمغربية، بل في التأكيد على أن هذا الاعتزاز ليس من أجل التباهي أو التعبير عن الرضا عن النفس، وإنما لتحويل الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني.
وهنا تكمن أولى الرسائل العميقة للخطاب.
فالمغرب الذي راكم مكتسبات دبلوماسية وسياسية واقتصادية، وأصبح يحظى بمكانة متقدمة في محيطه الإقليمي والدولي، لا ينبغي أن يتحول اعتزازه بهذه المكتسبات إلى حالة من الاطمئنان المفرط، أو إلى ذريعة لتجاهل الاختلالات التي لا تزال تعاني منها قطاعات اجتماعية ومجالات ترابية واسعة.
فلا يكفي أن نفتخر بموانئنا وطرقنا السريعة ومطاراتنا ومشاريعنا الكبرى، بينما لا يزال المواطن في بعض المناطق يبحث عن طبيب أو مدرسة أو فرصة عمل تحفظ له كرامته.
إن الوطنية الحقيقية ليست أن نردد أن المغرب يتقدم، بل أن نسأل باستمرار: من يستفيد من هذا التقدم؟ وهل تتوزع ثماره بعدالة بين المواطنين والجهات؟
ومن هنا نصل إلى الرسالة الاقتصادية التي يحملها الخطاب، والتي أرى أنها تؤسس لانتقال نوعي من اقتصاد المشاريع الكبرى إلى اقتصاد السيادة الاستراتيجية.
فالحديث عن الأمن المائي والطاقي والغذائي، وعن التصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، لا يتعلق بمجرد إضافة قطاعات جديدة إلى البرامج الحكومية، وإنما بإعادة تعريف مفهوم القوة الاقتصادية للدولة.
لقد كشفت الأزمات العالمية، من الجائحة إلى الحروب واضطرابات سلاسل الإمداد، أن الدول التي لا تتحكم في مواردها الأساسية تظل معرضة لتقلبات الأسواق وقرارات القوى الاقتصادية الكبرى.
ولذلك، فإن بناء السدود ومحطات تحلية مياه البحر، وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز الإنتاج الغذائي والصناعي، لم يعد مجرد اختيار تنموي، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي.
غير أن ما يستحق الانتباه أكثر هو وضع الذكاء الاصطناعي ضمن هذه الأولويات، وكأن الرسالة تقول إن سيادة المستقبل لن تتحقق بالماء والطاقة والغذاء وحدها، بل كذلك بالعلم والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج المعرفة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل سنكتفي بتكوين شباب يستهلكون التكنولوجيا، أم سنمتلك الجرأة على الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وتحويل جامعاتنا إلى مؤسسات منتجة للقيمة الاقتصادية؟
أما القطاع الخاص، فقد جاء الخطاب ليضعه أمام امتحان حقيقي.
فالدعوة إلى المزيد من المبادرة والابتكار وخلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير يمكن قراءتها باعتبارها انتقالاً من منطق استفادة المقاولة من فرص التنمية إلى منطق تحملها مسؤولية المساهمة في صنعها.
لقد وفرت الدولة خلال السنوات الماضية بنية تحتية مهمة، وأطلقت برامج لدعم الاستثمار، وفتحت آفاقاً جديدة أمام المقاولات الوطنية. لكن السؤال المشروع هو: هل واكب القطاع الخاص هذه المجهودات بالقدر المطلوب من الاستثمار المنتج والتشغيل والابتكار؟
إن اقتصاداً ترتفع فيه أرباح بعض المؤسسات دون أن ينعكس ذلك بالقدر الكافي على التشغيل والأجور والقدرة الشرائية، يظل اقتصاداً يعاني خللاً في توزيع ثمار النمو.
ولذلك، فإن الوطنية الاقتصادية لا تقاس فقط بحجم رؤوس الأموال، وإنما كذلك بما تخلقه من فرص وبما تضيفه من قيمة إلى الاقتصاد الوطني.
لكن الرسالة الأكثر حساسية، في تقديري، هي تلك المتعلقة بالشباب.
فعندما يجعل الخطاب قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، ويربطها بتكافؤ الفرص والتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي والثقة في المؤسسات، فإننا نكون أمام إقرار سياسي بأهمية معالجة الفجوة القائمة بين الطموح الوطني وانتظارات الأجيال الصاعدة.
فالشاب المغربي لا يطلب المستحيل. إنه يريد تعليماً جيداً، وفرصة عادلة في الشغل، وإدارة تحترمه، ومؤسسات يشعر بأنها تمثله، ووطناً يستطيع أن يبني فيه مستقبله دون أن تصبح الهجرة حلمه الوحيد.
ولا يمكن الحديث عن مغرب صاعد إذا ظل جزء من شبابه يشعر بأنه خارج مسار هذا الصعود.
غير أن أقوى رسائل الخطاب، وربما أكثرها جرأة على المستوى الداخلي، جاءت في الفقرة المتعلقة بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
فحين يؤكد الملك أنه لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، فإن الأمر يتجاوز التوجيه الإداري إلى مساءلة فعلية لوتيرة الإصلاح الترابي.
لقد تحدثنا طويلاً عن الجهوية المتقدمة، وأصدرنا القوانين، وأنشأنا المؤسسات، وانتخبنا المجالس، لكننا لم ننجح بعد في نقل جميع الصلاحيات والموارد الضرورية بالوتيرة التي تجعل الجهات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ مشاريعها باستقلالية فعلية ضمن اختصاصاتها القانونية.
والمفارقة أن المواطن يحاسب المنتخب الجهوي على تأخر التنمية، بينما قد يظل هذا المنتخب نفسه رهيناً بموافقات إدارية مركزية أو بإجراءات تتداخل فيها الاختصاصات وتتعدد فيها المتدخلات.
فأي معنى لجهوية متقدمة إذا لم تتقدم معها سلطة القرار؟
وأي جدوى من مجالس منتخبة تتحمل مسؤولية التنمية دون أن تتوفر دائماً على الوسائل الكافية لإنجازها؟
وهنا أجدني أستحضر جهة كلميم واد نون، باعتبارها نموذجاً لمجال ترابي يمتلك مؤهلات اقتصادية وطبيعية وبشرية مهمة، لكنه يحتاج إلى تسريع تحويل هذه المؤهلات إلى مشاريع منتجة وفرص شغل حقيقية.
فالجهة التي تشكل بوابة الصحراء المغربية، وحلقة وصل بين شمال المملكة وعمقها الإفريقي، لا ينبغي أن تظل رهينة بطء المساطر أو ضعف التنسيق أو غياب الوضوح في توزيع المسؤوليات.
وإذا كانت مشاريع الماء والسدود والتحلية والاستثمار الفلاحي والصناعي والسياحي تشكل فرصاً واعدة، فإن نجاحها يقتضي حكامة ترابية فعالة، وإدارة قريبة من المستثمر والمواطن، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
وليس المطلوب أن تتحول الجهة إلى دولة داخل الدولة، بل أن تتحول من مجرد مجال لتنفيذ القرارات المركزية إلى شريك حقيقي في صياغة التنمية وتنفيذها.
وتكتسي هذه المسألة أهمية مضاعفة في الجهات الجنوبية الثلاث، حيث لا تنفصل التنمية الترابية عن الرهانات الاستراتيجية الكبرى للمملكة.
فكلما نجح المغرب في بناء جهات قوية بمؤسسات منتخبة فعالة واقتصادات محلية منتجة، تعززت مصداقية نموذجه التنموي والجهوي، وازدادت قدرته على تقديم تجربته باعتبارها اختياراً سياسياً ومؤسساتياً قابلاً للنجاح.
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن الخطاب يحمل رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا.
فالحديث عن تجاوز النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، ورفض الضغط والتهديد والابتزاز، يعكس إرادة لإعادة صياغة العلاقات على أساس أكثر توازناً.
لقد لعب المغرب دوراً محورياً في تدبير تدفقات الهجرة ومحاربة الشبكات الإجرامية، لكن التعاون لا يمكن أن يظل محصوراً في المقاربة الأمنية، ولا أن يتحول إلى التزام أحادي يتحمل فيه طرف أعباء مشتركة دون شراكة تنموية متكافئة.
ويمكن أن نفهم من الإعلان عن إعداد وثيقة استراتيجية للشركاء أن المغرب يريد الانتقال من تدبير الأزمات الظرفية إلى بناء رؤية جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي والأمني.
إن المغرب لا يريد أن يكون مجرد حارس للحدود الأوروبية، بل شريكاً في صناعة الاستقرار والازدهار على ضفتي المتوسط، مع احترام الالتزامات القانونية والإنسانية المرتبطة بحماية المهاجرين والقاصرين وطالبي اللجوء.
وهذه الرسالة تنسجم مع التحول الذي عرفته السياسة الخارجية المغربية، حيث لم تعد العلاقات الدولية تقاس فقط بحجم المساعدات أو الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى احترام المصالح المتبادلة والسيادة الوطنية.
وإذا عدنا إلى الشأن الداخلي، فإن الخطاب يفتح الباب أمام سؤال سياسي لا يقل أهمية: هل نحن أمام دعوة إلى الاستمرارية، أم أمام مطالبة بمراجعة عميقة لأساليب التدبير؟
أعتقد أن الجواب يجمع بين الأمرين.
فالخطاب يعترف بما تحقق من إنجازات، لكنه لا يخفي وجود اختلالات وتأخر في عدد من الأوراش. وهو بذلك يميز بين استمرارية الدولة في اختياراتها الاستراتيجية، وبين ضرورة مراجعة الأداء الحكومي والإداري كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
فليس من المنطق أن تبدأ كل حكومة من الصفر، كما ليس من المقبول أن تتحول الاستمرارية إلى غطاء لإعادة إنتاج الأعطاب نفسها.
وإذا كان المغرب قد نجح في إطلاق مشاريع كبرى، فإن التحدي المقبل يكمن في سرعة الإنجاز، وجودة التنفيذ، وعدالة توزيع النتائج.
ولعل أهم ما ينبغي أن يستوعبه الفاعلون السياسيون هو أن زمن الاكتفاء بالإعلان عن المشاريع قد انتهى، وأن المواطن لم يعد ينتظر صور التدشينات والبلاغات بقدر ما ينتظر النتائج الملموسة.
فالمشروع الذي لا يكتمل لا يخلق الأثر المنتظر، والاستثمار الذي لا يوفر فرص الشغل لا يحقق كامل غايته الاجتماعية، والجهوية التي لا تنقل سلطة القرار تظل إصلاحاً ناقصاً.
وهنا نصل إلى ما أعتبره الرسالة الجامعة للخطاب:
إن المغرب الذي استطاع أن يعزز مكانته خارج حدوده، أصبح مطالباً بأن يجعل المواطن يشعر بقوة هذه المكانة داخل حدوده.
فلا يكفي أن نكون قوة اقتصادية صاعدة في التقارير الدولية إذا لم ينعكس ذلك على المدرسة والمستشفى وسوق الشغل والعدالة المجالية.
ولا يكفي أن نعتز بمغربيتنا إذا لم نجعل كل مغربي، أينما كان، يشعر بأن له نصيباً عادلاً من فرص وطنه وثرواته وخدماته.
ولا يكفي أن نعلن الجهوية المتقدمة إذا لم نمتلك الشجاعة السياسية والإدارية لنقل الصلاحيات والموارد ومحاسبة المسؤولين عن النتائج.
لقد وضع الخطاب، وفق هذه القراءة، الحكومة والبرلمان والإدارة والجهات والقطاع الخاص أمام مسؤولية مشتركة، عنوانها الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الإنجاز، ومن ثقافة الأعذار إلى ثقافة النتائج.
ولعل ما يستحق التأمل في خاتمته هو ذلك الربط بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الأخلاقية، حين ذُكّر البرلمانيون بأنهم مسؤولون أمام الله والمواطنين والتاريخ.
فالتاريخ لا يحتفظ بعدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، ولا بعدد الخطب التي ألقاها الوزراء والمنتخبون، وإنما بما تركوه من أثر في حياة الناس.
إنها، في نهاية المطاف، دعوة إلى مغرب لا يكتفي بأن يكون قوياً في الخارج، بل عادلاً وفعالاً في الداخل؛ مغرب لا يقاس تقدمه فقط بما يبنيه من منشآت، بل بما يبنيه من ثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه.
وإذا كانت المرحلة السابقة قد أسست لمغرب المشاريع الكبرى والمكاسب الدبلوماسية، فإن المرحلة المقبلة مدعوة لأن تكون مرحلة مغرب النتائج والعدالة الاجتماعية والمجالية.
فليس أصعب على دولة أن تنجح في بناء الطرق والجسور والموانئ، ثم تعجز عن بناء جسور الثقة مع جزء من مواطنيها.
وليس أجمل من الاعتزاز بالمغربية، إلا أن يجد كل مغربي في واقعه اليومي ما يجعله يردد ذلك الاعتزاز عن قناعة وكرامة وأمل.
فالمغرب الذي نعتز بماضيه ونفاخر بحاضره، لا ينبغي أن نترك مستقبل أبنائه رهيناً بالانتظار.
بقلم: امبارك زرموح