“عودة العقول”… حين يعود المغاربة بالمادة الرمادية بدل الهدايا.
في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة لافتة في صفوف الجالية المغربية المقيمة في فرنسا: تزايد عدد الخريجين والمختصين الذين يختارون العودة إلى المغرب، لا بدافع الحنين فقط، بل عن قناعة بأن الوطن بات أرضًا للفرص الحقيقية. لم تعد العودة تُقاس فقط بمظاهر عاطفية، ولا تُختزل في زيارات موسمية محمّلة بالهدايا وعلب الشكولاطة، بل تحوّلت إلى حركة نوعية عنوانها: عودة المادة الرمادية.
ثقة متجددة في الوطن
هذا التحول تعكسه حالة ثقة تنمو بهدوء في نفوس أبناء الجالية. ثقة في بلد استطاع خلال السنوات الماضية أن يعيد تعريف موقعه في الخريطة الإقليمية، ويقدّم نفسه كمنصة للعلم والابتكار، وليس فقط كمكان للذكريات. لقد أصبح المغرب بالنسبة لهؤلاء فضاءً يسمح بتحقيق الطموح، والانخراط في مشاريع ذات معنى، والمشاركة في صناعة مستقبل يُكتب محليًا، لا يُستورد من الخارج.
من “هجرة العقول” إلى “عودة العقول”
في الماضي، كانت “هجرة العقول” تُطرح كهاجس مزمن يهدد إمكانات التنمية في الدول النامية. أما اليوم، فالمعادلة بدأت تنقلب: “عودة العقول” صارت واقعًا ملموسًا. شباب مغاربة درسوا في أرقى الجامعات، واشتغلوا في أكبر المؤسسات، يختارون اليوم العودة إلى المغرب ليس بدافع الضرورة، بل بإيمان عميق بأن بلدهم يوفر لهم مساحات للنمو لا تقل عن أوروبا، وربما تفوقها في بعض الأحيان، من حيث الدعم، والمرونة، والتقدير.
بيئة وطنية حاضنة
لم تأتِ هذه العودة من فراغ. فقد نجح المغرب في السنوات الأخيرة في بناء منظومات علمية وتكنولوجية متقدمة، تترجمها مؤسسات جامعية رائدة، ومراكز بحث عالية الجودة، ومنصات ابتكار تستقطب الكفاءات. كما أن التشجيع السياسي والمؤسساتي لاقتصاد المعرفة، جعَل من البلاد بيئة جاذبة للعقول، وليست طاردة لها.
رحلة السلمون… ترسيخ لا بحث عن هوية
هذه الدينامية يمكن تشبيهها برحلة السلمون، الذي يشق طريقه عائدًا إلى منبعه رغم صعوبة الرحلة. إلا أن المغاربة العائدين لا يرجعون هربًا من الغرب أو بحثًا عن هوية ضائعة، بل لترسيخ هويتهم في أرضهم، وتكريس حضورهم كفاعلين، لا كمجرد ناجحين في الغربة.
وكما يقول المثل المغربي: “عز الخيل مرابطها”. فالقيمة الحقيقية للكفاءات تتجلى عندما تُستثمر في مرابطها الأصلية، حين تتجسد في خدمة مجتمعاتها الأصلية، لا في الهروب منها.
المادة الرمادية بدل الهدايا الرمزية
التحول الأبلغ في هذه الظاهرة، هو أن المغاربة العائدين اليوم لا يأتون بحقائب محمّلة فقط بالهدايا الرمزية، بل يعودون وهم يحملون المادة الرمادية: أفكارًا ناضجة، وخبرات مهنية، وطموحًا لا يُحد. يعودون كروّاد، كخبراء، كمبادرين، ليقولوا إن الوطن ليس مجرد مكان للانتماء، بل مشروع للحياة.