المدرسة المغربية تنتصر… فهل حان وقت استعادة العقول لتغيير تاريخ المغرب؟
مرة أخرى تؤكد المدرسة المغربية أنها أكبر من كل الأحكام الجاهزة، وأقوى من كل الخطابات التي تختزلها في أعطابها وإكراهاتها. فنجاح 57 تلميذاً مغربياً في اجتياز مرحلة القبول الأولي لأعرق مدرسة هندسية في فرنسا، مدرسة البوليتكنيك، ليس مجرد رقم عابر في صفحة الأخبار، بل هو شهادة دولية جديدة على قدرة المغرب على إنتاج النخبة وصناعة التميز.
وحين تتنافس المؤسسات الفرنسية على استقطاب هذه الكفاءات الشابة، فإن ذلك يعكس حقيقة لا يمكن إنكارها: فرنسا، كما غيرها من الدول المتقدمة، تراهن على الذكاء المغربي وتعتبره جزءاً من رصيدها البشري المستقبلي. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث أكثر من مرة عن أهمية استقطاب المواهب والكفاءات من مختلف أنحاء العالم لضمان تنافسية الاقتصاد الفرنسي في العقود المقبلة.
لكن إذا كانت فرنسا تراهن على الكفاءات المغربية، فهل يراهن المغرب بما يكفي على أبنائه؟
هنا يبرز التحدي الحقيقي. فالمشكلة ليست في قدرة المغرب على تكوين النخب، بل في قدرته على تحويل هذه النخب إلى قوة تنموية داخل الوطن. فمنذ عقود، أثبتت المدرسة المغربية أنها قادرة على تخريج مهندسين وأطباء وباحثين وعلماء ينافسون في أكبر الجامعات والمؤسسات الدولية، غير أن جزءاً مهماً من هذه الطاقات ينتهي به المطاف خارج الدورة الاقتصادية الوطنية.
إن أخطر أشكال هدر الثروة ليس هدر المال، بل هدر العقول. فالثروات الطبيعية يمكن تعويضها، أما العقول المبدعة فهي رأس المال الحقيقي للأمم. لذلك فإن كل مهندس أو باحث أو طبيب مغربي يحقق النجاح في الخارج يجب أن يُنظر إليه ليس كقصة هجرة ناجحة فقط، بل كجزء من مشروع وطني أكبر ينبغي أن يجد طريقه للارتباط بالتنمية داخل المغرب.
لقد صنعت دول مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية جزءاً مهماً من نهضتها الحديثة عبر استعادة عقولها المهاجرة وربطها بالمشاريع الاستراتيجية للدولة. لم تطلب منها التخلي عن انفتاحها العالمي، بل حولتها إلى جسر بين الوطن والعالم.
والمغرب اليوم في حاجة إلى مشروع مماثل، مشروع وطني للكفاءات المغربية العالمية، يجعل من آلاف المهندسين والباحثين والخبراء المغاربة المنتشرين في أوروبا وأمريكا وآسيا شركاء في بناء مغرب المستقبل. ليس بالضرورة عبر العودة النهائية، بل من خلال الاستثمار، ونقل المعرفة، والتأطير، والبحث العلمي، واحتضان الابتكار، والمساهمة في الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة.
إن نجاح 57 مغربياً في طريقهم إلى البوليتكنيك الفرنسية ينبغي ألا يكون مجرد مناسبة للاحتفال، بل فرصة لإطلاق نقاش وطني حول كيفية تحويل هذا الرصيد البشري الهائل إلى قوة إنتاج وابتكار داخل الوطن.
فالمدرسة المغربية أثبتت أنها قادرة على إنتاج الجواهر، ويبقى التحدي الأكبر هو كيف نحافظ عليها، وكيف نجعلها تلمع في سماء المغرب قبل أي مكان آخر.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: إذا كانت الدول الكبرى تراهن على عقول أبنائنا لصناعة مستقبلها، فمتى نطلق نحن المشروع الوطني الكبير الذي يجعل من هذه العقول منصة انطلاق لنهضة مغربية قادرة على تغيير تاريخ البلاد خلال العقود القادمة؟
بقلم: امبارك زرموح