جذور ممتدة وهُوية تتجدد: المخيمات الصيفية لمؤسسة الحسن الثاني كجسر يربط أبناء الجالية بوطنهم الأم

محمد حسناوي

تظل مسألة الحفاظ على الهوية الوطنية لدى الأجيال الناشئة من أبناء المغاربة المقيمين بالخارج واحدة من أهم الرهانات التي تستدعي تظافر الجهود واستدامة المبادرات. وفي هذا السياق، تبرز الدورة الصيفية التي تنظمها مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج كحدث سنوي استثنائي يحمل أبعاداً تربوية وثقافية وعميقة الدلالة. هذه البرامج الصيفية لا تنحصر في كونها مجرد نشاط ترفيهي لملء فراغ العطلة، بل هي استراتيجية وطنية متكاملة تهدف بالأساس إلى تعزيز ارتباط هؤلاء الأطفال بوطنهم الأم، وترسيخ القيم الحضارية والروابط التاريخية التي تجمعهم بأرض أجدادهم، مما يساهم في تحصين هويتهم الثقافية والوطنية أمام تحديات الغربة والاندماج في مجتمعات الإقامة.
ويتجلى هذا الاهتمام البالغ في الرعاية الدقيقة التي يحظى بها الأطفال المستهدفون، والذين تتراوح أعمارهم عادة ما بين تسع سنوات وثلاث عشرة سنة؛ وهي فترة عمرية حاسمة في تشكيل الوعي وبناء الشخصية. وتحتضن مدينة القنيطرة، وتحديداً المركز السوسيو ثقافي التابع للمؤسسة، هذه اللقاءات الإنسانية والحضارية، حيث يتحول المركز إلى فضاء حيوي يضج بالحياة والتنوع، ممتلئاً بأنشطة تربوية، وثقافية، ورياضية، وفنية، وترفيهية صُممت بعناية لتخاطب عقول وقلوب هؤلاء الأطفال، وتفتح أمامهم نوافذ واسعة لاكتشاف تاريخ المغرب العريق وثراء تراثه المتنوع.
ولعل الأرقام المسجلة في الدورة الصيفية الأخيرة لسنة 2025 تعكس بوضوح النجاح الباهر والصدى الطيب الذي تحققه هذه المبادرة الملكية؛ فقد حظي البرنامج باستفادة تسعمائة وستين طفلاً وطفلة، وفدوا من سبع عشرة دولة إقامة مختلفة، مما يبرز التنوع الجغرافي الواسع والقدرة الاستيعابية الكبيرة للمؤسسة. وقد تم توزيع هؤلاء المشاركين على أربع فترات زمنية محكمة التنظيم، امتدت كل مرحلة منها لعشرة أيام. هذه المدة، ورغم قصرها الزمني، شكلت محطة فارقة في حياة الأطفال، حيث أتاحت لهم فرصة العيش في أجواء مغربية خالصة، والتعرف عن قرب على قيم التضامن والتعايش، والعودة إلى بلدان المهجر وهم يحملون في وجدانهم اعتزازاً راسخاً بمغربيتهم، وسفراء حقيقيين لثقافة بلدهم الأم.

مؤسسة الحسن الثاني في خدمة ابناء الجالية المغربية بامتياز
بالفعل، هذه العبارة تختزل حقيقة الدور الريادي والمحوري الذي تلعبه مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج منذ تأسيسها. فهي ليست مجرد مؤسسة إدارية، بل هي “البيت المغربي الجامع” وجسر الوصل المستدام الذي يربط مغاربة العالم بجذورهم.
والمتأمل في حصيلة برامجها، خاصة الدورة الصيفية لعام 2025 التي احتضنت 960 طفلاً من 17 دولة مختلفة، يدرك أن المؤسسة نجحت في تحويل الشعارات إلى واقع ملموس، متميزةً في عدة نقاط أساسية:
الاستثمار في الناشئة: التركيز على الفئة العمرية (9-13 سنة) يمثل رؤية استراتيجية ذكية، فالغرس في الصغر يضمن بقاء الولاء والارتباط بالوطن راسخاً لدى أجيال المستقبل.
الشمولية والتنوع: استقطاب أطفال من 17 دولة إقامة مختلفة يبرز قدرة المؤسسة على صهر هذا التنوع الثقافي في بوثقة الهوية المغربية الموحدة.
التميز اللوجيستي والتربوي: احتضان هؤلاء الأطفال في المركز السوسيو ثقافي بالقنيطرة، وتأطيرهم عبر برنامج متكامل (تربوي، وفني، ورياضي) على مدار 4 مراحل، يعكس احترافية عالية في التنظيم والتدبير.
إنها حقاً خدمة بامتياز، لأنها تصنع من هؤلاء الأطفال سفراء دائمين للمغرب في بلدان المهجر، يحملون في قلوبهم حب الوطن، وفي عقولهم تاريخه وحضارته.
محمد حسناوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد