المغرب وفرنسا.. “شراكة استثنائية وطيدة” تنتقل من المواقف الدبلوماسية إلى جغرافيا المشاريع.

احتضنت العاصمة الرباط أشغال اللجنة العليا المشتركة، مكرسةً تحولاً بنيوياً مدعوماً باعتراف باريس الصريح بمغربية الصحراء، ويأتي انعقاد هذه الدورة كأول اجتماع رفيع المستوى منذ عام 2019. ويمثل التنزيل العملي لمخرجات زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب، ولقائه بـالعاهل المغربي الملك محمد السادس. وتوجت تلك الزيارة بتوقيع “إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة”.

وعقد الطرفان المغربي والفرنسي، الخميس الماضي، اجتماعا للدورة الخامسة عشرة للجنة الوزارية العليا المشتركة بين البلدين، هو الأول من نوعه منذ 7 سنوات، إذ كان آخر اجتماع عُقد في 2019، وتُوج الاجتماع بتوقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مختلف جوانب التعاون بين البلدين، تشمل مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والصناعة والزراعة والتبادل التجاري والثقافة والتعليم، وقطاعات النقل الجوي والسككي والبحري، وتطوير الموانئ وقطاع المياه.

وأكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في المؤتمر الصحفي الذي تلى الاجتماع، أن الشراكة انتقلت رسمياً إلى التنزيل الميداني الصارم، وأشاد بالسرعة القياسية للتعاون، مسجلاً تبادل أكثر من 40 زيارة ولقاء قطاعياً رفيع المستوى، وأوضح أن الاتفاقيات الموقعة تستكمل 22 اتفاقية استراتيجية سابقة بغلاف يناهز 10 مليارات يورو، كما شدد على تفعيل اللجان المشتركة ومجموعات العمل لضمان تسريع المشاريع المهيكلة.

من جهته، اعتبر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، اختيار الرباط كأول محطة دولية له دليلاً على المكانة الاستراتيجية للمملكة، وأشار إلى أن هذه الآلية، التي وُضعت لبناتها قبل 30 عاماً، تهدف لتأسيس مستقبل مشترك، وأكد أن القمة لا تقف عند حدود جرد الحصيلة بل تبني خلاصات مشتركة، وكشف عن التحضير لإبرام “معاهدة صداقة غير مسبوقة” ستوقع خلال زيارة الملك محمد السادس المرتقبة لفرنسا.

وتعتبر زيارة الوفد الفرنسي للمغرب، الأعلى من نوعها منذ زيارة تاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكتوبر 2024، استمرت 3 أيام وشهدت كسرا لجمود دام نحو 3 سنوات بين البلدين، بسبب أزمات دبلوماسية وإعلامية بينهما، واختتمت بعقد عشرات الاتفاقيات بقيمة نحو 10 مليارات يورو، وبدأ كسر جمود العلاقات بين البلدين، بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اعتراف بلاده رسميا بسيادة المغرب على الصحراء في يوليو 2024.

لم تعد الشراكة المغربية الفرنسية مجرد تحالف تقليدي تحكمه الحسابات الآنية، بل تحولت عقب أشغال الدورة الـ15 للاجتماع رفيع المستوى إلى “نموذج جيوسياسي” صلب لمنطقتي البحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي.

إن الانتقال السريع من التوافق السياسي التاريخي بشأن مغربية الصحراء إلى التنزيل العملي لمشاريع عملاقة كالقطار فائق السرعة، والربط الكهربائي العابر للقارات، وصناعات الدفاع، يؤكد أن الرباط وباريس صاغتا بالرباط خريطة طريق واضحة المعالم لثلاثة عقود مقبلة؛ خريطة ترتكز على الندّية، والمصالح المشتركة، والسيادة الكاملة، لتدشن بذلك العاصمتان فصلاً غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد