عبور الكرامة… هل آن الأوان لامتلاك السيادة اللوجستية لعملية “مرحبا”؟
في كل صيف، تتحول عملية “مرحبا” إلى واحدة من أكبر عمليات العبور البشري في حوض المتوسط، حيث يتدفق ملايين المغاربة من الخارج إلى أرض الوطن، محملين بالشوق والحنين، ومفعمين بروح الانتماء. لكن في المقابل، تبقى الأسئلة مطروحة: هل المغرب مستعد فعليًا لهذا الزخم؟ وهل نملك البنية التحتية الكافية؟ والأهم: هل يمكن أن نبني عبورًا سياديًا لا يخضع للضغوط الخارجية أو المفاجآت النقابية في الضفة الأخرى؟
في الأسابيع الأخيرة، شهد ميناء الجزيرة الخضراء بوادر أزمة اجتماعية، مع تهديدات من طرف عمال الميناء بالإضراب. هذا الميناء الإسباني يُمثل الشريان الرئيسي لعبور الجالية المغربية من أوروبا، وتوقّف خدماته يُنذر بشلل كامل في العملية. وفي ظل هذا الوضع، يجد المغرب نفسه أمام واقع مرّ: تبعية مفرطة لموانئ أجنبية دون بدائل حقيقية جاهزة.
لا عبور آمِن بدون سيادة لوجستية
التحديات المطروحة اليوم لا تتعلق فقط باضطرابات خارجية، بل أيضًا بواقع البنية التحتية الوطنية، التي لا تزال عاجزة عن امتصاص حجم الضغط الموسمي. طوابير طويلة، بطء في إجراءات التفتيش، ضعف الخدمات في بعض الموانئ، وغياب نظام حجز رقمي فعال… كلها مؤشرات على أن المغرب لم يستثمر بالشكل الكافي في بواباته البحرية.
الكرامة لا تحتمل التأجيل
إن عودة الجالية إلى الوطن ليست مجرد مسألة سفر موسمي، بل هي لحظة وجدانية ووطنية عميقة، تعكس العلاقة العضوية بين المغرب وأبنائه في الخارج. ولهذا، فإن تأجيل تحسين ظروف العبور، أو انتظار حلول من الخارج، ليس فقط تقصيرًا إداريًا، بل مسًّا بكرامة ملايين المواطنين.
الكرامة لا تحتمل التأجيل، لأن:
المغاربة في الخارج يستحقون أن يُعاملوا باحترام منذ لحظة عبورهم إلى تراب الوطن.
العبور يجب أن يتم في إطار من السيادة، لا الابتزاز ولا الفوضى.
الانتظار لساعات طويلة أو التعرض لسوء التنظيم لا يجب أن يكون قدرًا موسميًا متكررًا.
نحو خطة وطنية شاملة
لأجل ذلك، على الحكومة المغربية أن تتحرك فورًا وبنَفَس استراتيجي، عبر:
توسيع وتحديث موانئ العبور المغربية، خاصة طنجة المتوسط، الناظور، الحسيمة.
إنشاء خطوط بحرية سيادية تُدار من طرف شركات مغربية، تربط مباشرة المغرب بأوروبا دون وسيط.
تطوير منصات رقمية للحجز المسبق والتوجيه الذكي لحركة العبور.
الاستثمار في خدمات الاستقبال: مرافق إنسانية، دعم صحي، مناطق استراحة، ومرافقة إدارية.
“مرحبا” ليست مجاملة موسمية… بل التزام وطني دائم
لقد أثبتت الجالية المغربية في كل الأوقات ولاءها وانخراطها في تنمية الوطن. وآن الأوان أن يرد المغرب الجميل بمنظومة عبور تحترم الإنسان وتكرّم انتماءه.
فإذا كنا نرفع شعار “الاستثمار في الكفاءات المغربية بالخارج”، فعلينا أن نبدأ من البوابة الأولى: كرامة العبور.