المغرب بين “السمن” والفضة: حين تُغطى التفاهة بالبريق



في زمن الصخب والمظاهر، يرتفع الغبار حول سؤال جوهري: هل ما نعيشه اليوم هو تجديد للهوية المغربية، أم انزلاق نحو مسخٍ ثقافي ممنهج؟
فحين يُمنح فنّان مثل “طوطو” منصة رسمية، وتُموّل جماهيريته بأموال عمومية، ويُحتفى بكلماته السوقية كأنها شعر معاصر، فإننا لا نعيش نهضة ثقافية، بل نذوق طعم الانحدار المغلّف بالبهرجة.

هوية عمرها اثنا عشر قرنًا

المغرب لم يُولد من فراغ. نحن أبناء أمبراطورية تجاوز عمرها 12 قرنًا، بناها رجال حفظوا القرآن في صدورهم، ونساء كُنّ مدارس في حد ذاتهن.
من هذه الأرض خرج علماء في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، وامتدت بصمتنا من قرطبة إلى تومبكتو، ومن فاس إلى وكالة ناسا.
لم يكن سرّ ذلك كله في السلطة أو المال، بل في الأسرة المغربية – تلك الخلية التي كرّست قيم الاحترام، الحياء، والصدق.



في القلب من هذه الحضارة تقف الأم المغربية، التي كانت وما زالت حارسة للهوية.
لم تكن فقط من تُطعم وتكسو، بل من تزرع القيم في العقول والقلوب.
في حضنها تربّى المغاربة على احترام الكبير، وستر العيب، وتقديس الكلمة.
فهل يُعقل أن تُختزل هذه التربية في مشهد “فنان” يسبّ ويُلمّح بحركات إيحائية على منصة يمولها الشعب؟

في الثقافة المغربية العميقة، لا تُوزن الكلمة بموسيقاها، بل بطهر الفم الذي تنطق به.
ولذلك، يُقال لمن يستعد للكلام أمام من يُحترم:


شلّل فمك بالسمن” – أي مضمض فمك بالسمن، طهّره وهيّئه، لأن الكلام الطيب لا يخرج من فم ملوّث.


والسمن هنا ليس مادة للزينة، بل نتيجة عملية تصفية الزبدة من الشوائب، رمزًا للنقاء والجوهر الصافي.
أما اليوم، فنرى فمًا يغلف بأسنان فضية، لكنه لا ينطق إلا تفاهةً وبذاءةً.
تزويق للقبح، لا تطهير للكلمة.
تلميع لصوت أجوف، لا احتفاء بمضمون.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين السمن والفضة:

السمن هو جوهر نقي خالص بعد تهذيب.

الفضة قشرة لامعة، قد تُخفي ما لا يُقال.



لسنا ضد الفن، ولا ضد التجديد.
لكننا ضد ترويج العفن الفني على أنه ثورة ثقافية.
ضد أن يُمنح الضوء الأخضر لمحتوى يهدم القيم، ويُطبّع مع القبح، في الوقت الذي يُقصى فيه المفكرون والمبدعون الحقيقيون من الساحة.
الذوق العام مسؤولية، لا حرية مطلقة.
والإعلام الوطني يجب أن يكون مرآةً للوعي، لا بوقًا للانحدار.


الهوية المغربية ليست شيئًا هشًا، لكنها ليست في مأمن أيضًا.
حين تُفتح الأبواب للرداءة، وتُقفل أمام الجودة، فنحن لا نجدد ذاتنا، بل نتخلى عنها.
نحن أبناء أمهات علّمننا كيف نغسل أفواهنا قبل الكلام، لا كيف نغطيها بأسنان براقة وننطق بالسوقية.

فلنُدرك جيدًا أن ما بين “السمن” و”الفضة”، مسافة أخلاق وهوية.
وأن الحاضر الذي يُفرّط في جوهره، لن يصنع مستقبلًا يستحق الاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد