زلزال انتخابي في المغرب: “البام” يتصدر التشريعيات.. وتراجع في نسبة المشاركة وعودة تدريجية للإسلاميين.

في مشهد سياسي يحبس الأنفاس، أعلن وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، صباح اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026، عن النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية التي جرت يوم أمس، واضعةً حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) في صدارة المشهد السياسي بعد حصاده 97 مقعداً من أصل 395 في مجلس النواب، وجاءت هذه النتائج لتعيد ترتيب الأوراق داخل البيت الحكومي والبرلماني، فاتحةً الباب أمام سيناريوهات دستورية وتاريخية غير مسبوقة في المملكة.

وأفرزت صناديق الاقتراع تفوقاً واضحاً للأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة السابقة، حيث حافظت على تماسكها العددي داخل قبة البرلمان بما يتجاوز الأغلبية المطلقة (198 مقعداً). وجاء توزيع المقاعد للأحزاب المتصدرة على النحو التالي:

• حزب الأصالة والمعاصرة: 97 مقعداً (المرتبة الأولى).

• حزب التجمع الوطني للأحرار: 66 مقعداً (المرتبة الثانية).

• حزب الاستقلال: 65 مقعداً (المرتبة الثالثة).

• حزب العدالة والتنمية: 54 مقعداً (المرتبة الرابعة).

وحلت في المراتب التالية أحزاب الحركة الشعبية (29 مقعداً)، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (26 مقعداً)، وحزب التقدم والاشتراكية (19 مقعداً)، والاتحاد الدستوري (17 مقعداً).

وأفاد البلاغ الرسمي لوزارة الداخلية أن النسبة الإجمالية للمشاركة على المستوى الوطني استقرت في 38.02%، مسجلة تراجعاً ملحوظاً مقارنة بانتخابات 2021 التي بلغت آنذاك 50.86%.

وكالعادة، صنعت المحافظات الصحراوية المغربية الاستثناء؛ إذ تدفقت الكتلة الناخبة بقوة نحو صناديق الاقتراع، وسجلت جهة العيون الساقية الحمراء أعلى نسبة مشاركة وطنية بلغت 77%، تلتها جهة الداخلة وادي الذهب بـ 61%، ثم جهة كلميم واد نون بـ 53.48%، مما يعكس بحسب مراقبين انخراطاً حيوياً لساكنة الجنوب في تدبير شؤونهم المحلية والوطنية.

تضع هذه النتائج المؤقتة المشهد السياسي المغربي أمام مرحلة دقيقة من المفاوضات والمشاورات لتشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة. ووفقاً لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، الذي يلزم العاهل المغربي بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، فإن الخارطة البرلمانية الحالية تفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح السلطة التنفيذية القادمة:

• السيناريو الأول: استمرار “التحالف الثلاثي” بقيادة جديدة (الأكثر ترجيحاً): يرتكز هذا السيناريو على إعادة إنتاج التحالف الحكومي السابق الذي يضم أحزاب (الأصالة والمعاصرة، التجمع الوطني للأحرار، والاستقلال). يملك هذا الثلاثي مجتمعاً 228 مقعداً، وهي أغلبية مريحة تتجاوز العتبة المطلوبة (198 مقعداً). لكن الاختلاف الجوهري هذه المرة يكمن في انتقال قيادة التحالف إلى حزب “البام”، مع احتمال تاريخي لتولي المنسقة الوطنية للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، رئاسة الحكومة كأول امرأة في تاريخ المملكة، مما يضمن الاستمرارية السياسية مع تغيير في موازين القوى الداخلية.

• السيناريو الثاني: تحالف حكومي موسع (انفتاح على اليسار أو الوسط): قد يتجه الحزب المتصدر إلى توسيع قاعدته السياسية لضمان استقرار أغلبيته وتفادي أي ضغوط من حلفائه الرئيسيين. في هذه الحالة، يمكن الانفتاح على أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (26 مقعداً) أو حزب التقدم والاشتراكية (19 مقعداً)، مما يمنح الحكومة غطاءً سياسياً واجتماعياً أوسع، ويقلص في الوقت ذاته من حجم المعارضة البرلمانية.

• السيناريو الثالث: خلط الأوراق وبناء تحالفات هجينة: وهو سيناريو مستبعد نسيباً ولكنه يظل ممكناً من الناحية الحسابية؛ ويتمثل في استغناء حزب “الأصالة والمعاصرة” عن أحد حلفائه التقليديين (كالتجمع الوطني للأحرار أو الاستقلال)، واستبداله بكتلة من أحزاب المعارضة السابقة والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري. هذا الخيار قد يضمن للحزب القائد هيمنة أكبر على الحقائب الوزارية، لكنه قد يواجه تحديات تتعلق بانسجام البرامج الحكومية والتوجهات الاقتصادية.

في المقابل، يرى محللون أن احتلال الأحزاب الثلاثة الأولى (الأصالة والمعاصرة، والأحرار، والاستقلال) لـ 228 مقعداً مجتمعةً، يعزز فرضية الاستقرار ويسمح بإعادة إنتاج التحالف الحكومي السابق نفسه، ولكن بموازين قوى جديدة وقيادة مختلفة هذه المرة، ورغبة في التجديد وضخ دماء جديدة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة، وتظل الأيام القليلة المقبلة كفيلة بحسم شكل التحالف القادم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد