باريس .. أوركسترا عبد الكريم الرايس للموسيقى الأندلسية بفاس تبهر جمهور “الفيلهارموني” في ليلة متوسطية خالدة

نجحت أوركسترا عبد الكريم الرايس للموسيقى الأندلسية بفاس، تحت قيادة المايسترو المغربي المقتدر محمد بريول، في خطف أنظار وقلوب الجمهور بـ فيلهارموني باريس. وجاء هذا الحفل التاريخي الاستثنائي، الذي نُظّم تحت شعار “تلاقي التقاليد الموسيقية للمتوسط”، ليتوّج برمجة ثقافية خاصة احتفت بالمملكة المغربية في ختام “موسم المتوسط 2026”.

وامتلأت جنبات “قاعة بيير بوليز” الكبرى، التي تعد أحد أرقى الصروح الموسيقية في أوروبا، بجمهور متنوّع من الجالية العربية والأجانب الشغوفين بالموسيقى العالمية. وافتتحت الأوركسترا الحفل بأداء مبهر لـ “التواشي السبع”، لتنطلق بعدها في رحلة وجدانية عميقة دمجت بين روعة النوبات الأندلسية الموزونة وبين اللمسات الراقية للمقامات الشرقية، مستكشفةً الأنماط الطربية والروحية من المشرق إلى المغرب.

ولم يكن الحفل مجرد استعراض للموروث المغربي التقليدي، بل تحوّل إلى حوار حضاري مفتوح بفضل مشاركة خمس مغنيات ينتمين إلى خلفيات ثقافية متباينة، واللواتي نجحن في تطريز لوحة صوتية متناغمة، عبارة عن فسيفساء نسوية عابرة للحدود الثقافية، منهن من المغرب سناء مرحاتي، التي صدحت بصوتها المغربي الأصيل لتنقل عبق الموشحات والقصائد الأندلسية، ومن لبنان غادة شبير، ومن إسبانيا أناييس أوليفيرا، ومن ايطاليا راكيلي أندريولي، واليونانية إيريني ديريبي.

وإلى جانب الدبلوماسية الثقافية النسوية، كان لعندليب أوركسترا فاس للموسيقى الأندلسية، الفنان نور الدين الطاهري، حضور وازن بعدما أبدع في أداء مواويل من نوبة “عراق العجم”، مستعرضاً العمق الفريد لـ “موسيقى الآلة” المغربية.

وكان من أبرز ما ميّز هذه الليلة، هو التمازج الروحي الفريد؛ حيث تعانقت الأغاني الأندلسية اليهودية-العربية جنباً إلى جنب مع الترانيم اللاتينية والآرامية القديمة. وقدمت المنصة دليلاً حياً على أن المتوسط لم يكن يوماً حاجزاً، بل جسراً تاريخياً لتدفق الأفكار، اللغات، والفنون.

وفي ختام هذه الأمسية التي امتدت لساعات، صفّق الجمهور الباريسي طويلاً تعبيراً عن إعجابه بهذا الإرث المغربي الحي، وأثبتت الأوركسترا مجدداً قدرة الفنون التقليدية على كسر القيود الجغرافية، والوصول إلى مسارح العالمية مع الحفاظ على جوهر الهوية التراثية الأصيلة دون تغيير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.