كلميم وادنون: من جسر الوطن إلى هامش التنمية… ومن الاحتجاج إلى لحظة الاختيار
لم يعد الصمت ممكنًا، ولم يعد التبرير مقنعًا، ولم يعد الحديث عن “اختلالات ظرفية” يصلح غطاءً لهذا الواقع الفجّ:
جهة كلميم وادنون مُقصاة من التنمية، ومُستبعدة من الرؤية، ومُعلَّقة خارج الحسابات الكبرى للدولة.
في الوقت الذي تُشيَّد فيه ملاعب كبرى وحديثة في مدن تتوفر أصلًا على بنى تحتية متقدمة، وتُضخ فيها ميزانيات ضخمة تحت عناوين براقة، تُترك كلميم وادنون خارج الزمن التنموي. لا ملعب يليق بشبابها، لا مشاريع استراتيجية تُشعر أبناءها بأنهم جزء من المستقبل، ولا أفق يوازي حجم التضحيات التي قدّمتها هذه الجهة عبر التاريخ.
هذا الواقع لم يعد يُفهم باعتباره تأخرًا عابرًا أو خللًا تقنيًا، بل بات يُقرأ كـ اختيار سياسي يُعيد إنتاج منطق المركز والهامش، ويُراكم الاستثمار حيث يوجد أصلًا، ويترك الأطراف رهينة الانتظار.
كلميم وادنون ليست هامشًا طارئًا على الجغرافيا الوطنية.
من لقصابي تكوست إلى نون لمطة، شكّلت هذه الأرض حلقة وصل استراتيجية بين الشمال والجنوب، وبين المتوسط وعمق إفريقيا. كانت جسرًا للتجارة، ومعبرًا للحضارات، ومتراسًا للوطن في لحظات الشدة. لم تطلب يومًا امتيازًا، لكنها دفعت دائمًا ثمن الانتماء.
حتى في المجال الرياضي، لم تكن الجهة عالة على أحد.
جوهرة كلميم، نهضة طانطان، مولودية أسا… أندية صنعت الذاكرة الوطنية، واحتضنت أجيالًا من الشباب، ونافست بإمكانيات هزيلة لكن بإرادة صلبة. واليوم، بدل أن تُستثمر هذه الذاكرة، تُترك الأندية للموت البطيء، ويُترك الشباب بلا فضاءات، بلا بدائل، وبلا أمل.
وحين لا يرى أبناء الجهة أمامهم سوى طريق واحدة سالكة، لا تؤدي إلى ملعب، ولا إلى معمل، ولا إلى مستقبل، بل إلى المحيط…
إلى سيدي إفني، إلى الشاطئ الأبيض، إلى الشبيكة، حيث تُولد قوارب الموت من رحم الإهمال.
هناك، لم تعد الهجرة “السرية” سرية أصلًا، بل تحولت إلى استفتاء جماعي على فشل السياسات العمومية.
وهناك، يصبح حوت بحر الظلمات أقل قسوة من دولة لا تُصغي، ومسؤولين لا يرون في الجهة سوى رقم صامت على الهامش.
إلى عهد قريب، كان المواطن يلوم نفسه.
كان يجلد وعيه الانتخابي، ويُحمّل ذاته مسؤولية سوء الاختيار، ويُقنع نفسه بأن الخلل في الممثلين المحليين فقط.
لكن اليوم، حتى وإن إتضح أن ما سُمّي بالجهوية ليس سوى شعار مُفرغ من مضمونه، وواجهة تُعلّق عليها الدولة فشل المركز في تدبير الأطراف. والقرار لا يزال محتجزًا في المركز، والميزانيات تُبرمج بعيدًا عن الحاجات الحقيقية، فيما تُترك الجهة لتواجه الغضب الشعبي دون أدوات حقيقية للفعل.
تبقى الحقيقة المؤلمة قائمة:
لا يمكن إعفاء المواطن من مسؤوليته.
واجب على المواطن أن يلوم نفسه أيضًا، وأن يُراجع اختياراته، وأن يتوقف عن إعادة تدوير نفس الأسماء ونفس الوجوه ونفس الخطابات. ونحن على أعتاب استحقاقات 2026، لا يجوز الاستمرار في الرهان على الحصان الخاسر، ولا التصويت بدافع الخوف أو العادة أو اليأس.
انتخابات 2026 ليست محطة عادية، بل لحظة مفصلية:
إما أن تكون فرصة لإعادة الاعتبار لجهة كلميم وادنون،
أو تُكرّس مرة أخرى منطق الإقصاء نفسه، بوجوه جديدة وشعارات مستهلكة.
فرئيسة الجهة مشغولة بصباغة الواجهات، ورؤساء المجالس الإقليمية بالمواسم.
من حقنا، كساكنة، أن نحلم.
ومن حقنا – بل من واجبنا – أن نحاول تحقيق هذا الحلم، في ظل توفر الإمكانيات البشرية، والموقع الاستراتيجي، والعمق التاريخي الذي لم يُستثمر بعد.
هذه الجهة لم تُخلق لتكون هامشًا،
ولا خزانًا للأصوات،
ولا ممرًا لقوارب الموت.
كتب لها التاريخ والجغرافيا أن تكون جسرًا:
جسرًا بين الشمال والجنوب،
بين الدولة ومجالها العميق،
وبين الوطن الرسمي والوطن الذي يعيشه المواطن يوميًا.
إما أن نستعيد هذا الدور بوعي سياسي جديد،
أو سنظل نشتكي، ونصوّت، ثم نُقصى…
إلى أجل غير مسمى.