جيل” gen “Z .. حين تُطفئ الريادة
أنشئت مدارسنا باسم الريادة، لكنها في كثير من الأحيان بدت وكأنها جُعلت لتقتل بذرة الريادة. وأنا في أرذل العمر، أعود بذاكرتي إلى قاعة الصف في السنة الثالثة إعدادي، حيث قضيت أكثر من أسبوعين أهيأ عرض بحور الشعر العربي الخمسة عشر التي أبدعها الفراهيدي. كنت أتنقّل بينها واحداً واحداً، حتى بلغت البحر السادس عشر، المعروف بالخبب أو المحدث، الذي أضافه الأخفش تلميذ الخليل، ليكمل ما أغفله معلمه. هناك، في ذلك العمر، لمست عظمة البناء العروضي وإيقاعاته، ووجدت في كل بحرٍ فضاءً يفتح الذهن على الشعر والغناء والهجاء.
لكنني اليوم، في زمن الثورة التكنولوجية، أرى نصوصاً لنفس المستوى “سافرت بالطائرة” و”أكل أحمد التفاحة”. نصوصٌ تُفرغ اللغة من رمزيتها، وتستبدل البذرة بالسطح، فتُسقط التفاحة من كونها رمزاً للخطيئة أو المعرفة، إلى مجرد ثمرة يأكلها طفل. وبهذا المسار، لا نقترب من التفاحة المعضوضة لأبل التي صارت أيقونة للحداثة، بل نُطرد من جنة العلم كما طُرد آدم، ونعيش في أرض خصبة بالصراعات التي يغذيها الجهل.
إننا إذ نُهمل عمق التعليم، نلد أجيالاً تعيد مأساة قابيل وهابيل، يبحث كل منها عن طريق مختلف لنيل رضا إلاهه. جيلٌ يرفض أن يُسمّى أرقاماً، ويفتخر أن يُلصق لحروف. جيلٌ يمكن أن يرتقي بالتعليم في مصاف الملائكة، وإن أهملناه فقد نكون نحن من نحطّم سداً بناه ذو القرنين، لينهض من بين الركام يأجوج ومأجوج جيل “Z”.
وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: هل وافق شن طبقة؟
هل صارت مدارس سطحية على مقاس أجيال لم نمنحها فرصة العمق، فأصبح التوافق تامًّا بين سطحية المؤسسة وسطحية المخرجات؟
أم أنّنا نعيش المثل الآخر من قصص عشنا معها الإعدادي، فرفضت مغادرتنا: “على أهلها جنت براقش”، إذ جنينا على أنفسنا حين أفرغنا التعليم من معناه، لنجد أنفسنا غرباء في زمن التقنية، مستهلكين لما ينتجه غيرنا، وعاجزين عن بناء حضارتنا بسواعدنا.
فما بين “شن وطبقة” و”براقش”، يتأرجح جيلنا: جيل يمكن أن يكون ملائكياً إن غُذّي بالمعرفة، أو يتحوّل إلى يأجوج ومأجوج إن تُرك غارقاً في سطحية النصوص. إن التعليم ليس تكراراً ولا تلقيناً، بل صناعة معنى؛ هو وصل بين الماضي الذي حمل إلينا بحور الفراهيدي، والحاضر الذي يعجّ بالرموز التكنولوجية. وحين ندرك ذلك، نُطفئ جمر براقش، ونحوّل التوافق من “شن وطبقة” إلى ريادة حقيقية توقدها مدارسنا بدل أن تُطفئها.