من يقرر مصير الصحراء؟
حين يصادر الفرد حق القبيلة، ويُبنى الوهم على الهروب.

مرّ أكثر من شهرين على صدور القرار الأممي رقم 2797، الذي ثبّت مسار حل قضية الصحراء في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما ظلّ العالم يترقّب ردّة الفعل الرسمية للجزائر.
وجاء الرد أخيرًا على لسان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي كان في خطابه “ صحراويًا أكثر من الصحراويين”، داعيًا إلى احترام “الشرعية الدولية” و“تقرير المصير”، تلك الشماعة التي طالما علق عليها فشل إدارته لأزمات الوطن، وكان يستعملها دوما حجرة في حذاء وطن يسابق الأمل لبناء الحلم.
لكن السؤال الجوهري الذي يتجاهله   هذا الخطاب هو:
من هم الصحراويون الذين يُفترض أنهم أصحاب القرار؟
وهل يحقّ لفرد، أو لمجموعة معزولة، أن تنصّب نفسها وصية على قبائل كاملة، وتحتكر الحديث باسم تاريخ وهوية وجغرافيا لم تفوّضها يومًا؟
الفرد في مواجهة الجماعة
كيف لشاب، أو لمجموعة من الشباب، أن يقرروا مصير قبيلة؟
كيف لاسمٍ واحدٍ خرج عن أسرته، وانشق عن محيطه الاجتماعي، أن يتحول فجأة إلى “ممثل شرعي” لها، بل إلى من يفاوض ويتكلم ويقرر باسمها؟
لدينا نماذج عديدة لأسر كاملة لم ينشق عنها سوى فرد واحد، فإذا به يدّعي امتلاك الحقيقة، ويتحوّل إلى ناطق باسم الجماعة، ويمنّ عليها بما يسميه “وطنًا”، في حين أنه وطن بلا أصل اجتماعي، ولا جذور تاريخية، ولا شرعية وجدانية داخل النسيج الصحراوي الحقيقي.
القبائل الصحراوية لم تُبنَ يومًا على منطق التمرّد الفردي، ولا على القطيعة مع الأسرة، ولا على إنكار الجماعة.
القبيلة كيان أخلاقي واجتماعي قبل أن تكون اسمًا أو شعارًا، ولا يمكن اختزالها في صوت غاضب أو في سيرة من خرج عنها.
من مخيم اللجوء إلى مخيم العزل
قبل أكثر من خمسة عقود، لم يكن هناك “شعب” ولا “إجماع”، بل عائلات معدودة ، غادرت فضاءً صحراويًا مفتوحًا، لا يؤمن بالحدود ولا بالأسلاك، لتستقر خلف متاريس أُعدّت مسبقًا:
متاريس مادية من خيام وسلاح،
ومتاريس معنوية من خطاب تعبوي وعزل ثقافي وتلقين أيديولوجي.
تحولت تلك المخيمات إلى ملاذ لكل الهاربين من عدالة المجتمع والجماعة، لا إلى فضاء لتحرير الإنسان الصحراوي.
وهناك، أُعيد تشكيل الوعي على مقاس أيديولوجيات مستوردة من سبعينيات القرن الماضي، قُدِّمت فيها “الحرية” بوصفها قطيعة مع الأب، ومع القبيلة، ومع الدين، ومع التاريخ.
أزمة قيم قبل أن تكون أزمة سياسة
هذه الأزمة لم تكن سياسية فقط، بل أزمة قيم عميقة.
فنحن أمام نماذج من شباب لا يملكون القوامة ولا الأهلية الأخلاقية، هربوا من المسؤولية، وحملوا معهم أنماط عيشهم أينما استقروا، حتى في أوربا.
أينما وُجدوا، يؤمنون بالقانون الوضعي والعرف الانتقائي، لا باعتباره إطارًا لحماية الحقوق، بل وسيلة للتهرب منها.
ويتجلى ذلك بوضوح في بنيتهم الأسرية، حيث شُيّدت معظم العلاقات على ما يُسمّى بـ“الزواج العرفي”:
علاقة تبدأ بعبارة “زوجتك نفسي”،
وتنتهي بـ“أنتِ طالق”،
في غياب تام لأي قانون يحمي المرأة، أو يصون حقوق الأطفال، أو يضمن الاستقرار.
إنه منطق كل علاقة
تبدأ بلا عقد واضح،
وتنتهي بلا محاسبة،
وتترك آثارها الاجتماعية بلا مسؤول.
وحين تُبنى الأسرة بهذا الشكل الهش،
فكيف يُراد لنا أن نصدّق مشروع دولة تُبنى بالعقلية نفسها؟
دولة بلا شرعية… كعقد بلا التزام
الدولة التي يُراد فرضها تشبه في بنيتها هذه العلاقات المؤقتة:
كيان أقرب إلى زواج المتعة في السياسة؛
انتفاع ظرفي،
التزام مؤقت،
وانسحاب بلا تبعات.
وكما لا تُبنى أسرة سليمة على عقد قابل للفسخ في أي لحظة،
لا تُبنى دولة على عقليات تفرّ من الالتزام،
وتقدّس القطيعة،
وتحوّل القانون إلى أداة لا قيمة.
الخطر الحقيقي هنا ليس فشل مشروع سياسي،
بل مصادرة حق الجماعة باسم الفرد،
واستعمال الألم التاريخي وقودًا لمشروع لا يعيش إلا على استمرار الجرح.
الصحراء لأهلها
القبائل الصحراوية لم تفوض أحدًا ليقرر مصيرها خارجها،
ولم تمنح شرعية لمن انسلخ عنها،
ولن تقبل أن يُكتب مستقبلها بأقلام القطيعة والإنكار.
المصير لا يقرره من غادر،
ولا من تمرّد،
ولا من آمن بالتحرر ضد الإنسان،
بل من بقي،
ومن تحمّل كلفة الانتماء،
ومن فهم أن الوطن، مثل الأسرة، مسؤولية قبل أن يكون شعارًا.
فالصحراء…
ليست شعارًا سياسيًا،
ولا ملفًا تفاوضيًا،
بل أرضٌ لها أهل،
وتاريخٌ له شهود،
ومستقبلٌ لا يُبنى بالهروب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد