فتيحة لحمامي: امرأة صحراوية دخلت المطبخ السياسي من بوابة الرؤية الاستراتيجية
في عمق الصحراء المغربية، على تخوم الحدود التي لا تهدأ، وبين قذائف متقطعة من خلف الجدار لا تُرهب من تشبّعوا بالانتماء، برزت فتيحة لحمامي كصوت نسائي صحراوي مفعم بالإرادة، ونموذج نادر لامرأة دخلت المطبخ السياسي من أوسع أبوابه؛ بوابة الرؤية الاستراتيجية، والمعرفة، وحس المسؤولية.
رسمت لنفسها مسارًا سياسيًا متفردًا، واختارت أن تحفر اسمها في الذاكرة الحديثة للجنوب الشرقي، لا عبر الخطابات، بل من خلال فعل تنموي متواصل، وممارسة سياسية عقلانية هادئة، تنبع من رؤية علمية وتخطيط مدروس.
من العلم إلى العمل… من الرباط إلى المحبس
بدأت فتيحة رحلتها مع التميز بالحصول على شهادة البكالوريا سنة 2000، ثم الإجازة في القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال – الرباط، وتلتها الإجازة في العلوم السياسية سنة 2005. بعدها نالت دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم السياسة والقانون الدستوري سنة 2008، وواصلت طريقها في البحث العلمي، حيث تتابع اليوم دراستها في سلك الدكتوراه.
هذه المسيرة العلمية الرصينة تُعيد إلى الأذهان نموذج فاطمة بنت محمد الفهري القرشي، مؤسسة جامع القرويين بفاس، أول جامعة في العالم، والتي كانت رمزًا مبكرًا لقدرة المرأة المغربية على الجمع بين التعليم، التدبير، وبناء المؤسسات. تمامًا كما تفعل فتيحة اليوم، حين تزاوج بين الفكر والسياسة، وبين التخطيط والعمل الميداني.

ريادة تربوية ومسؤولية سياسية
انطلقت فتيحة في مسارها المهني سنة 2009 داخل قطاع التعليم، حيث شغلت مناصب متعددة، من بينها: رئيسة مكتب الإحصاء والدراسات، ومكتب التعليم الإعدادي والتأهيلي، إلى أن عُيّنت سنة 2020 رئيسة لمصلحة الشؤون التربوية والتخطيط والخريطة المدرسية بالمديرية الإقليمية لأسا الزاك.
هذه التجربة، الغنية بالمعطيات والتخطيط، أهلتها لاحقًا للعب دور سياسي محوري على مستوى إقليمها، فتم انتخابها رئيسة لجماعة المحبس، وعضوًا بالمجلس الإقليمي لأسا الزاك، في محطة اعتُبرت رمزًا لصعود نساء الصحراء إلى مراكز القرار بفضل الكفاءة والجدارة.
قيادة على خط النار
أن تكون امرأة على رأس جماعة حدودية مثل “المحبس” ليس تفصيلًا إداريًا. هو رهان وطني على الحضور في منطقة استثنائية، جزء من تراب يُستفَز بين الحين والآخر بقذائف لا تهدف سوى إلى التشويش على مسار البناء.
لكن فتيحة، ومعها ساكنة المحبس، لا تنظر إلى الجدار كحاجز، بل كموقع للمقاومة المدنية والتنمية، حيث لا مكان للتراجع، بل للبقاء، والعمل، وبناء الأمل.
بوصلة العقل والإرادة
تتسم فتيحة لحمامي بخصال القيادي المتزن: يقظة ذهنية، توازن في اتخاذ القرار، إحجام عن ردود الفعل العاطفية، واستعداد دائم للمبادرة بدل الانتظار. هي سياسية عقلانية التكوين، براغماتية السلوك، متشبعة بالبعد الاستراتيجي، ومسلحة برؤية مستقبلية تتجاوز ما هو كائن نحو ما ينبغي أن يكون.
وكما كانت فاطمة الفهرية قبل قرون نموذجًا لريادة نسائية مستنيرة، تكتب فتيحة لحمامي اليوم فصلًا جديدًا من فصول القيادة النسائية في الجنوب المغربي: حيث الحدود، والكرامة، والانتماء، والفعل المسؤول.