غرناطة القادمة… هل تسقط من داخلنا؟

في كل مرة تُعرض فيها صور قصر الحمراء في غرناطة، أو تُقرأ سطور من مرثية الأندلس، او عندما نشعر بالملل من تفاهة مواقع التواصل كما حصل اليوم الأحد ، هربت إلى برنامج ” مغارب” حيث إستضاف أديبة، فسألها:
هل أنت إسبانية؟
قالت:  وفي غرناطة  ميلادي  …وصحت قرون سبعة في تينيك العينين ……….بعد رقاد………
ما أغرب التاريخ كيف أعادني…
شعرت بشيء من الحسرة على حضارة كانت، ومجدٍ ضاع. ولكن ما لا ننتبه إليه غالبًا هو أن سقوط الأندلس لم يكن فقط هزيمة عسكرية، بل كان انهيارًا داخليًا، تفككًا في الهوية، وصراعًا خفيًا بين مكوّنات الأمة.

سقوط الأندلس لم يبدأ يوم دخلت جيوش الملوك الكاثوليك غرناطة، بل بدأ يوم انقسم أهلها، وتنازعوا حول من ينتمي ومن لا ينتمي.

ثمانية قرون من الإسلام في إسبانيا لم تكن احتلالًا، بل كانت حضارةً أندلسية خالصة، صنعها المسلم والمسيحي واليهودي معًا. كان فيها العربي، والبربري، والإيبيري، والقرطبي،  واليهودي السفاردي، لكن ما جمعهم كان الحلم……
حلم التعايش، والعلم، والفن، والانتماء إلى فضاء واحد. وحين فُرضت هوية واحدة بالقوة، سقط كل شيء.

واليوم، في شمال إفريقيا، تُعاد كتابة السطور الأولى من فصلٍ مشابه.

تعلو أصواتٌ تنادي بإقصاء الهوية العربية، باعتبارها دخيلاً، وتُطالب باستبدالها بهوية أمازيغية صافية، كما لو أن التاريخ يمكن فصله بسكين، أو أن الشعوب يمكن تصنيفها ببطاقات النسب.

نحن لسنا أمام صراع حقّ وباطل، بل أمام خطر الانغلاق. فالهوية الأمازيغية حق أصيل، والتصالح معها واجب، لكن تحويل هذا الحق إلى أداة لنفي العربي، أو تجريد الإسلام من شرعيته الثقافية في المنطقة، ودعم ملوك الطوائف  ممن يعتبرون أنفسهم مفكرون مثل عصيد وكلاب لا يصب في مصلحة أحد. لأن العربي، اليوم، في ما أصبح يسمى  المغرب أو الجزائر أو تونس، ليس غازياً ولا غريباً، بل هو جزء من النسيج، من اللغة، من الذاكرة الجماعية، من الدين، من الشعر، من الحكاية.

واللغة العربية ليست لغة وافدة، بل لغة قرآن صارت لغة وجدان، والوجدان لا يُطرد من الأرض لأنه وُلد بلحن مختلف.

إذا بدأنا نُقصي أحد مكوناتنا، فإننا نكون قد دخلنا نفقًا من الانقسام قد يؤدي بنا إلى غرناطة أخرى… لكن هذه المرة، من دون جيوش. سقوطٌ هادئ، يبدأ في مناهج التعليم، وفي الإعلام، وفي مواقع التواصل، وفي روايات مزيفة عن الهوية.
غرناطة لا تسقط دائمًا بالقوة، بل أحيانًا تسقط حين نُقنع أنفسنا أننا لسنا بحاجة لبعضنا.

فهل نتعلم من التاريخ، أم نكرره بغباء؟

شمال إفريقيا ليست عربية فقط، وليست أمازيغية فقط، وليست إسلامية فقط. هي كل ذلك وأكثر، وتفردها في هذا الغنى. فلنحمِ هذا التعدد، بدل أن نحوله إلى ساحة تصفية حسابات بين الأصول والفروع.

غرناطة لن تسقط من جديد… إلا إذا أسقطناها من داخلنا.
حينها سنبكي كالنساء ملكا لم نحافظ عليه كالرجال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد