حين يصير العلو وسيلة للاحتجاج: من قنطرة أم العشار إلى خزان أولاد يوسف

في مغرب الهامش، حيث تنحصر خيارات المواطن البسيط بين الصمت أو الصراخ في الفراغ، لم يعد مستغربًا أن يلجأ البعض إلى وسائل احتجاجية قصوى. لقد عاينت ذلك عن قرب، حين نُوديت، بصفتي عضوًا في المركز المغربي لحقوق الإنسان، إلى منطقة وادي أم العشار بكلميم، حيث صعد عدد من الطلبة المعطلين إلى أعلى قنطرة شاهقة، في مشهد لا يُنسى من الألم والإصرار.

كنا، كجمعية، نأمل أن نساهم في الحوار، في بناء جسر يربط بين شباب فقدوا الثقة في المؤسسات، وسلطة محلية كانت حاضرة ممثلة في الباشا ورئيس الدائرة، لكنها كما العادة، متحفزة أكثر من أن تكون منصتة. هناك، فوق تلك القنطرة، وقف الشباب يلوحون بأجسادهم قبل أصواتهم، غير آبهين بالخطر، فقط كي يُسمع صوتهم في بلد أصبح فيه طلب الشغل بمثابة جريمة غير مُعترف بها, وتدخل البرد القارس بعد إنسحاب لا مبالي للمسؤولين ليجبر المحتجين على البحث عن مساحة أدفئ.

حاولنا جاهدين فتح قنوات التواصل، وطرح الحلول الممكنة، لكننا كنا ندرك جميعًا – نحن وهم والسلطات – أن القضية أعمق من تدخل ظرفي أو مبادرة حسن نية. هؤلاء الشباب كانوا يتكلمون لغة الغضب، لغة “الفراغ”، بعدما “انسدت كل الأبواب”، كما قال لزميلي  أحدهم بصوت يملأه القهر.

من وادي أم العشار إلى أولاد يوسف

تجربتي تلك عادت إليّ بكل تفاصيلها وأنا أتابع مأساة بوعبيد، الرجل الذي اعتصم فوق خزان ماء في جماعة أولاد يوسف بإقليم بني ملال، مطالبًا بتحقيق في وفاة والده داخل السجن. لم يطلب مالًا، ولا جاهًا، فقط العدالة والحقيقة. ومع ذلك، تُرك وحيدًا في صمته، تحت شمس حارقة، رافعًا جسده كما تُرفع الرايات في زمن الإنكار.

مثل الطلبة فوق القنطرة، لجأ بوعبيد إلى “العلو”، كأنما الكرامة تحتاج إلى ارتفاع حتى تُرى. وكأن صوته لن يُسمع إلا إذا أصبح مهددًا بالسقوط.

الجسد كصوت أخير

من محسن فكري الذي “طُحن” في شاحنة الأزبال، إلى صبري الذي انتحر فوق خزان بتاونات، إلى بوعبيد في أولاد يوسف، تتكرر المأساة، وتتشابه الوسيلة: الاحتجاج عبر الجسد. حين لا تُسمع الكلمة، يصبح الجسد نفسه هو الخطاب، والاحتجاج، وربما… العقاب.

هذه ليست مجرد حالات فردية، بل إشارات مرعبة على اختلال عميق في الثقة بين المواطن والدولة. والمرعب أكثر، أن المجتمع بدأ يتعوّد.


حين تُصبح القناطر والخزانات بديلاً عن قاعات الحوار، وحين يتحول المواطن إلى مشروع شهيد من أجل الحق في العيش أو معرفة الحقيقة، نكون أمام أزمة لا تحلها بيانات ولا تدخلات مناسباتية.

نحن في حاجة إلى مصالحة حقيقية مع المواطن المغربي، تبدأ من الاستماع بصدق، وتُترجم إلى سياسات عدالة وكرامة ومحاسبة.
لأننا إن لم نفعل، فالقنطرة القادمة جاهزة، والخزان القادم قد يكون أعلى. ورد الفعل على الإحتقان لخصتها لحضة إنفراد المواطن بممثل السلطة ( من وجهة نظره)،  هناك في أعلى الخزان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد