حكيم زياش… خيار العقل والقلب


في زمنٍ تختلط فيه الوطنية بالحسابات الضيقة، ويُكافأ فيه التردد أكثر من الوفاء، يبرز اسم حكيم زياش كاستثناء مُربِك للمنطق الرسمي، لكنه منسجم تمامًا مع منطق العقل والقلب معًا.

حين اختار زياش المغرب، لم يختر الأسهل ولا الأقوى ولا الأكثر بريقًا. رفض هولندا وهي في أوج قوتها، واختار منتخبًا كان يُنظر إليه آنذاك كمشروع مؤجل، لا كقوة قائمة. ذلك القرار لم يكن نزوة عاطفية، بل فعل وعي سياسي ورياضي عميق: الإيمان بوطن لا يمنحك الضمانات، لكنه يمنحك المعنى.

العقل يقول إن اللاعب الذي يضحي بمسار دولي مضمون من أجل بلده هو استثمار رمزي وأخلاقي لا يُقدَّر بثمن. والقلب يقول إن من باع كل الأوطان ليحمل وطنًا واحدًا، لا يُقابل بالجحود ولا بالإقصاء ولا بالصمت البارد.

ومع ذلك، نعيش مفارقة صادمة: في المغرب، كثيرًا ما يُطلب من الوطني أن يكون دائم العطاء، صامتًا، قابلًا للتجاوز، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها لمن تردد . هذه ليست مفارقة رياضية فحسب، بل إشكال سياسي وأخلاقي في طريقة فهم الدولة لمعنى الولاء.

إقصاء حكيم زياش، أو التعامل معه كخيار ثانوي، ليس قرارًا تقنيًا بريئًا، بل رسالة سلبية لكل لاعب شاب يفكر بعقله وقلبه معًا: أن الاختيار المبكر للوطن لا يُكافأ، وأن الوفاء لا يضمن الاعتراف.

وخير دليل على أن خيار القلب والعقل ليس خطابًا عاطفيًا، هو ما شاهدناه من قتالية نادرة لدى اللاعبين في مختلف الفئات. في كأس العالم لأقل من عشرين سنة، وفي كأس العرب، رأينا لاعبين يتركون أرجلهم ورئاتهم على العشب، يركضون حتى الإنهاك، ويقاتلون على كل كرة، لا لأنهم يملكون أسماء أكبر أو عقودًا أغلى، بل لأنهم كانوا يلعبون من أجل وطن وعلم.

تلك الروح القتالية لم تكن صدفة، بل نتيجة شعور عميق بالانتماء: حين يشعر اللاعب أن الوطن احتضنه كما احتضنه هو، يتحول القميص إلى قضية، والمباراة إلى معركة شرف. وهنا تتجلى قيمة رموز مثل حكيم زياش؛ لاعب لم يمنح المنتخب مهارته فقط، بل منح قراره، وتوقيته، ومستقبله.

إن تسجيل زياش في لوائح المنتخب والاعتراف الصريح بتضحياته ليس مجاملة ولا خضوعًا للعاطفة الجماهيرية، بل قرار عقلاني بامتياز. هو دعم نفسي للمنتخب، ورسالة سياسية واضحة مفادها أن المغرب لا يتخلى عمّن اختاره في زمن الشدة.

حكيم زياش ليس مجرد لاعب موهوب، بل رمز لاختيار صعب وشجاع. ومن لا يفهم قيمة هذا الاختيار، لا يفهم الفرق بين منتخب يُدار بالحساب فقط، ومنتخب يُبنى بالعقل والقلب معًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد