“ما عندو الرقبة”… حين تفقد السياسة كتفيها

وأنا أتابع النائبة البرلمانية ريم شباط، ابنة السياسي المغربي المعروف حميد شباط، في أحد البرامج التلفزيونية، استوقفتني فقرة تبدو للوهلة الأولى خفيفة، لكنها كانت تحمل من الدلالة ما يتجاوز بساطتها. في اللعبة المقترحة، طُلب منها اختيار أسماء لرئاسة الحكومة المغربية ، حيث يُعرض عليها اسمَين فتختار أحدهما.

قد تبدو اللعبة ترفًا تلفزيونيًا، ولكن ما قامت به ريم شباط كان استثمارًا ذكيًا لخلفيتها السياسية والفكرية. لم يكن اختيارها للأسماء عبثيًا، بل كان يعكس رؤية ضمنية، ورسائل مشفرة أحيانًا. فمثلاً، احتفظت باسم مولاي حفيظ العلمي على حساب وجوه وازنة كـعبد الإله بنكيران، وعزيز أخنوش، وعبد اللطيف وهبي، في إشارة ربما إلى أولوية الكفاءة على الخطاب أو الشعبية أو حتى الثقل الحزبي.

في مفاضلتها بين نبيلة منيب وفاطمة الزهراء المنصوري، اختارت منيب. ولعلّ هذا الاختيار لا يُقرأ فقط من زاوية المفاضلة بين يسار سياسي وشخصية حزبية تدبيرية، بل بين موقف فكري نابع من قناعة، وبين تموضع حزبي قد لا يعكس دائمًا عمقًا في الرؤية.

لكن اللحظة الأكثر إثارة جاءت عند ذكر اسم زنيلها في الحزب، نزار بركة الذي أقصته أمام منيب، حين قالت عنه بالدارجة المغربية:  “ما عندو الرقبة.”

في المغرب، هذه العبارة تعني أن السياسي قد يملك المعرفة، الحنكة، وحتى التجربة، لكنه يفتقد تلك “الرقبة” التي ترمز إلى الكاريزما والهيبة والقدرة على حمل السياسة بثقلها أمام الناس. الرقبة هنا ليست عضواً تشريحياً، بل رمزًا للقدرة على القيادة، للبروز وسط الزحام، للوقوف شامخًا حين تنحني الرقاب.

ومن هذا التعبير الشعبي، قفزت إلى ذهني صورة عبدالوهاب بلفقيه، الذي طالما رفضته ورفضت إدارته للشأن العام، السياسي البارز في جهة كلميم واد نون، الذي ظل لسنوات طويلة لاعبًا مركزيًا في المشهد السياسي المحلي، وأسدًا في غابة الشأن العام. فرغم رحيله في ظروف ما زالت غامضة ومثيرة للجدل، إلا أن حضوره الرمزي لم يخفت. لا تزال كلميم تذكره، لا يزال خصومه يتحركون في ظلّه، وكأنهم يعيشون فراغًا لا يُملأ.

عبد الوهاب بلفقيه

فأي “رقبة” كان يحملها بلفقيه؟
وأي كاريزما تلك التي جعلته أكبر من المناصب، وأقوى من غيابه؟
ولماذا عجز من جاؤوا بعده عن ملء الفراغ رغم توفر كل الشروط؟

الدرس هنا عميق: السياسة ليست فقط تدبيرًا أو معرفة أو حتى ولاء حزبي. إنها حضور، جاذبية، قدرة على التأثير. إنها باختصار، “الرقبة”.

في زمن تُختزل فيه السياسة أحيانًا إلى تموقعات وحسابات، تذكّرنا ريم شباط — من حيث لا تدري — أن السياسة أيضًا مسرح، وأن ليس كل من دخل الخشبة نجمًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد