عندما تتكلم الأرقام… وتصمت المؤسسات
في ماي 2025، أصدر المركز المغربي للمواطنة تقريرًا دقيقًا ومقلقًا حول واقع السلوك المدني في المغرب، كشف من خلاله عمق التناقض بين الخطاب المثالي والسلوك اليومي، بين ما يُقال في الندوات وبين ما يُمارس في الشارع.
التقرير لم يأتِ بجديد في الجوهر، لكنه قدّم تشخيصًا بالأرقام لما يشعر به المغاربة يوميًا: فوضى في الفضاء العام، تراجع في القيم المشتركة، وانتشار واسع لظواهر تُضعف النسيج الاجتماعي.
لكن الأكثر إثارة للتساؤل، هو غياب المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها المندوبية السامية للتخطيط (مجلس الحليمي)، عن إنتاج تقارير من هذا النوع، رغم أن الإحصاء ليس مجرد عملية لتعداد السكان، بل هو أداة استراتيجية لرصد الاختلالات وتوجيه السياسات العمومية نحو الأثر الحقيقي.
فكيف يُعقل أن ننتظر من الدولة سياسات ناجعة، في غياب معطيات منتظمة حول السلوكيات والقيم داخل المجتمع؟
ما الذي كشفه التقرير؟
74% أكدوا أن رمي الأزبال في الشارع ظاهرة واسعة.
93% تحدثوا عن تفشي احتلال الملك العام.
83% عن الغش التجاري.
66% يرون أن الحكومة لا تقوم بواجبها لترسيخ السلوك المدني.
وحتى في مسائل بسيطة مثل احترام الطوابير أو قواعد اللباقة، جاءت الأرقام دون المستوى.
الدين كعنصر مؤثر… وحاضر باهت
المثير في التقرير أيضًا، أنه رصد تأثير الدين والقيم الدينية ضمن العوامل المؤثرة في السلوك المدني، بنسبة 44%، وهي نسبة أقل مما قد يتوقعه البعض في مجتمع يُفترض أنه محافظ ومتدين.
وهنا نلمس تراجعًا واضحًا في الوظيفة التربوية للدين داخل الفضاء العمومي، حيث لم يعد الخطاب الديني قادرًا على كبح السلوكيات المنافية للقيم، من قبيل الغش، التعدي على الفضاء العام، أو التحرش.
قد يكون السبب في ذلك ابتعاد الخطاب الديني عن المعيش اليومي، أو انحساره في الطقوس والشكليات بدل ترسيخ جوهر القيم الأخلاقية كالصدق، الأمانة، الإحسان، والاحترام. الدين، كما التربية، لم يعد يشكل صمّام أمان كما في السابق.
ما العمل إذن؟
تفعيل دور الأسرة والمدرسة والدين كخطوط دفاع أولى.
إعادة هيكلة الخطاب التوعوي ليكون واقعيًا ومتجددًا.
إدماج قيم المواطنة في المناهج بشكل فعّال.
وتفعيل القوانين بشكل عادل، مع استثمار كأس العالم 2030 لإحداث ثورة سلوكية لا فقط تجميل سطحي.
لكن فوق كل ذلك، على مؤسسات مثل المندوبية السامية للتخطيط أن تخرج من نمطها الإحصائي التقليدي، نحو إنتاج تقارير سلوكية وقيمية دورية، تواكب التحولات المجتمعية، وتساعد على صنع القرار المبني على الواقع لا على التصورات.
لن نبني مغربًا قويًا فقط بالبنيات التحتية، بل بأخلاق مواطنيه، ووعيهم، والتزامهم بقيم المواطنة والاحترام. وإن لم تتحول الأرقام إلى سياسات، فإننا نكتفي بالتشخيص، ونترك العلاج في مهبّ الانتظار.
الدين، المدرسة، الأسرة، والإعلام… كلها عناصر حاضرة، لكنها لا تزال بحاجة إلى نفس جديد، حتى لا نُصبح مجتمعًا يعرف القيم… ولا يعيش بها.