المدرسة المغربية: هل الانضباط هو مفتاح الإصلاح؟
بقلم: امبارك زرموح
في خضم الجدل المتواصل حول أزمة المدرسة العمومية المغربية، يبرز مشروع “مدارس الريادة” كمبادرة حكومية طموحة لإعادة الاعتبار للتعليم العمومي، عبر تحسين الجودة، تطوير المناهج، وتكوين الأساتذة. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يمكن إنقاذ المدرسة المغربية دون إعادة بناء قيم الانضباط والاحترام والمسؤولية داخل أسوارها؟
الغريب أن المدرسة المغربية، رغم تصنيفها المتأخر عالميًا، تفرز كفاءات تتألق بمجرد توفر الفرصة. خريجوها ينجحون في ولوج أرقى الجامعات والمدارس العليا في أوروبا وأمريكا، ويثبتون جدارتهم، كما هو الحال في “مدرسة المحمدية للمهندسين” أو “البوليتكنيك” الفرنسية. فما الذي يتغير بالنسبة للمتعلم ؟ ببساطة: البيئة.
البيئة التي تحتفي بالجدية، تفرض النظام، وتُشجع على المبادرة الفردية والمسؤولية الجماعية. هذه البيئة منعدمة إلى حد كبير في مؤسساتنا، حيث تسود الفوضى، ضعف القيادة التربوية، وتراجع هيبة المدرسة والمدرس معًا.
ولذلك، فإن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح بمجرّد تحديث المناهج أو رقمنة الفصول، بل لا بد من إعادة بناء “النسق القيمي” داخل المدرسة. وهنا، تظهر الحاجة إلى نموذج صارم مستلهم من المدارس العسكرية أو شبه العسكرية، التي تنجح في تخريج قادة لا متعلمين فقط.
الحديث ليس عن عسكرة المدرسة، بل عن نقل القيم التنظيمية والقيادية للمؤسسة العسكرية إلى الفضاء التربوي: الانضباط، النظافة، احترام الوقت، اللباس الموحد، الواجبات اليومية، وحضور القدوة. وهذا يجب أن يبدأ أولًا بـ تكوين الأساتذة على هذه المبادئ، حتى يصبحوا قادة داخل القسم، لا مجرد ناقلين للمعرفة.
المدرسة المغربية لا تحتاج إلى المزيد من الخطط التقنية بقدر ما تحتاج إلى ثورة أخلاقية وتربوية تعيد للمدرسة هيبتها، وللتلميذ مسؤوليته، وللأستاذ سلطته المعنوية.
الانضباط ليس نقيضًا للحرية، بل أساسٌ لها. فبدونه لا معنى لأي مشروع تربوي، ولو كان بإسم ” الريادة”.