الصحراء المغربية: بين خطاب الانفصال وواقع الإجماع الوطني
قضية الصحراء المغربية ليست مجرد نزاع إقليمي كما يحاول البعض تصويرها، بل هي امتداد طبيعي لمعادلة تاريخية وجغرافية وثقافية تؤكد انتماء هذا الإقليم إلى المغرب منذ قرون. غير أن خطاب الانفصال الذي تبنته جبهة “البوليساريو” ومن يدعمها سياسيًا وإعلاميًا، يسعى إلى فرض صورة مغايرة تعكس “انقسامًا وهميًا” داخل الساكنة المحلية.
لكن عند التمعن في الواقع، نجد أن هذا الخطاب يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، والتجذر الاجتماعي، والتماسك المنطقي، خصوصًا حين ننظر إلى النماذج التي تروج له. فكيف يمكن لفرد أو قلة قليلة أن تدّعي تمثيل “شعب” بأكمله، في حين أن عائلاتهم وأقرب المقربين إليهم، بل وأغلب الساكنة، ترفض أطروحاتهم؟
من يمنح الشرعية للانفصال؟
أحد أبرز الأسئلة التي يجب طرحها بعمق: من منح هؤلاء الأفراد حق التحدث باسم سكان الصحراء؟
هل هناك استفتاء شعبي حر وشفاف عبّر فيه الصحراويون عن رغبتهم في الانفصال؟ الجواب: لا.
هل هناك تمثيلية ديمقراطية تُظهر أن أغلبية الصحراويين يتبنون هذا الخيار؟ أيضًا لا.
المفارقة أن من يدّعون تمثيل الصحراويين، يعيشون خارج الإقليم، بعضهم في تندوف، وآخرون في أوروبا، يستغلون ورقة “حقوق الإنسان” لتأليب الرأي العام، دون أي أساس شعبي أو قانوني يخولهم التكلم باسم الصحراويين. الشرعية، في النهاية، تأتي من الشعب، لا من رغبات أفراد ولا من دعم دول تبحث عن نفوذ إقليمي.
التناقض داخل الأسر: راضي الليلي نموذجًا
راضي الليلي، إعلامي سابق، من أبناء ” الإقليم”، ينتمي إلى قبيلة وعائلة كبيرة معروفة بولائها للوحدة الوطنية. وهو حالة نموذجية لمفارقة صارخة:
كيف يمكن لفرد واحد فقط داخل أسرة بأكملها أن يتبنى موقفًا انفصاليًا، بينما جميع أقاربه متمسكون بمغربيتهم؟
هل هذا يعكس رأيًا عامًا؟ أم هو موقف شخصي تحكمه دوافع انتقامية بعد صراع مع مؤسسات إعلامية مغربية؟ أم هو استثمار في خطاب يدّر أرباحًا دعائية وسياسية بالخارج؟ في كل الأحوال، التمثيلية لا تُبنى على فردية القرار، بل على شرعية الجماعة.
أمينتو حيدر: ازدواجية الموقف
أمينتو حيدر تُقدَّم إعلاميًا كرمز “حقوقي” لقضية الانفصال. لكن حين نغوص في التفاصيل، نكتشف تناقضًا ساطعًا: تنحدر من عائلة عريقة بمدينة العيون، ومعظم أفرادها يعملون في الإدارة المغربية، ويتقاضون أجورهم من ميزانية الدولة، وهي نفسها موظف شبح تتقاضى أجرها من المال العام.
فكيف لمن تنتمي إلى نسيج عائلي مستفيد من البنية المؤسساتية المغربية، أن تدعو إلى تفكيك هذه الدولة؟
هل يمكن فصل النضال الحقوقي عن الواقع السياسي والاجتماعي؟ وهل هناك مصداقية في خطاب من يستفيد من وطن، ثم يدعو إلى تقسيمه؟ هذا الانفصام في الشخصية السياسية يطرح أسئلة عميقة عن مصداقية هذا “النضال”.
أغلبية صامتة أم أغلبية وطنية؟
غالبًا ما يُطرح الانفصال على أنه صراع بين “أقلية مستفيدة” و”شعب مُغيب”. لكن الواقع الميداني يعكس العكس تمامًا. الصحراويون يشاركون بنسب عالية في الانتخابات، يحتلون مناصب في الإدارة، يشكلون جزءًا مهمًا من المؤسسة العسكرية، ويعبّرون باستمرار عن ارتباطهم بالمغرب، دون ضغوط.
إنها ليست أغلبية صامتة، بل أغلبية وطنية، تُدافع عن مشروع تنموي ومؤسساتي في إطار مغرب موحد. في المقابل، خطاب الانفصال بات معزولًا، يعاد تدويره إعلاميًا لا أكثر.
ويبقى السؤال الجوهري: من المستفيد من بقاء النزاع؟
هنا نصل إلى بيت القصيد. قضية الصحراء ليست فقط مطلبًا “حقوقيًا”، بل ورقة جيوسياسية بيد الجزائر وبعض الجهات الدولية. استمرار النزاع يعني ورقة ضغط على المغرب، وإبقاء المنطقة في توتر دائم يخدم مصالح بعض القوى الإقليمية.
أما الصحراويون الحقيقيون، سكان العيون، الداخلة، بوجدور، السمارة أو حتى من حكمت عليهم الأقدار بالعيش خارج الإقليم… فهم يطالبون بشيء واحد: الاستقرار والتنمية في كنف الوطن الأم. لا أوهام جمهورية لا أحد يعرف شكلها، ولا شعارات تقود إلى……..
المغرب، بمؤسساته وشعبه، يقدم اليوم نموذجًا متقدمًا في الحكم الذاتي، والتنمية، والتعايش. في المقابل، خطاب الانفصال يفقد بريقه يومًا بعد يوم، لأنه ببساطة لا يمتلك ما يكفي من المصداقية، ولا من الجذور الشعبية.
إن الدفاع عن مغربية الصحراء لا يحتاج إلى كثير من العواطف، بل إلى وقائع: التاريخ، الأرض، البشر، والولاء الجماعي. أما الأصوات الشاذة، فهي لا تمثل إلا نفسها، مهما علا صراخها خارج الحدود.