هل تقود أيت أوسى جهة كلميم واد نون؟ قراءة في التحول القبلي وصعود النخبة الجديدة

منذ الاستقلال، عرفت جهة كلميم واد نون توزيعًا قبليًا للنفوذ السياسي، كان في معظمه خاضعًا لميزان القوى التقليدي، حيث هيمنت قبائل بعينها على مناصب التسيير والمجالس المنتخبة، بفضل رصيدها التاريخي وتواطؤ توازنات قبلية وشبه سلطوية. لكن المشهد بدأ يتغير، وقبيلة أيت أوسى برزت كفاعل جديد، ليس بالعدد أو التاريخ وحده، بل عبر الاستثمار الذكي في الإنسان والنخبة.

فهل نشهد في الاستحقاقات المقبلة أول رئيس جهة من أيت أوسى؟ وهل تغير المعادلة لصالح نخبة جديدة؟


التحول النوعي داخل أيت أوسى

قبيلة أيت أوسى كانت، إلى وقت قريب، تعتبر من القبائل المحايدة سياسيًا، ذات الحضور الهادئ والبسيط، تشتغل في الظل وتكتفي بدور تكميلي في التوازنات المحلية. لكن منذ بداية الألفية، حدث تحول استراتيجي صامت: القبيلة اختارت طريق التكوين والتأطير.

دعمت أبناءها في الدراسات العليا، خصوصًا في التخصصات ذات التأثير في الدولة (القانون، الإدارة، الاقتصاد، العلوم السياسية…).

شجعت على تدوين الذاكرة الجماعية، مما ساهم في توحيد الهوية القبلية وترسيخ الوعي السياسي.

خلقت شبكات مهنية داخل المؤسسات العمومية والخاصة، مكنت أبناءها من ولوج مفاصل الدولة بشكل متدرج ولكن مؤثر.


اليوم، أصبحت أيت أوسى تمتلك نخبة تشغل مناصب حساسة في الإدارة، القضاء، الإعلام، والتمثيليات الدبلوماسية. وهو ما يجعل الحديث عن رئاسة الجهة مطلبًا واقعيًا، وليس مجرد طموح رمزي.

تراجع القبائل المهيمنة: الإرهاق السياسي

في المقابل، تعاني بعض القبائل التي ظلت تهيمن على الجهة سياسيًا منذ الاستقلال، من أعراض الإرهاق السياسي:

الوجوه نفسها تتكرر في كل المحطات الانتخابية، دون تجديد في الخطاب أو النخب.

الفجوة تتسع بين الأعيان والقاعدة الشعبية، خاصة مع تزايد وعي الشباب.

المشاريع التنموية المتعثرة عمقت الإحباط وفقدان الثقة في السياسيين التقليديين.

هذا التراجع الطبيعي يفتح الباب أمام نخب جديدة بخطاب أكثر مهنية ووضوحًا، وهو ما توفره تجربة أيت أوسى اليوم.


شروط الرئاسة: هل أيت أوسى جاهزة؟

رئاسة الجهة لا تُنتزع فقط بالكفاءة، بل تحتاج إلى توازن دقيق بين أربعة عناصر:

1. الكتلة الانتخابية: هل تستطيع القبيلة حشد دعم كافٍ من داخلها ومن القبائل المتحالفة؟


2. التحالفات السياسية: هل تُحسن القبيلة نسج تحالفات ذكية مع فاعلين حزبيين ومجتمعيين في كلميم، طانطان، بويزكارن، وأسا؟


3. المرشح المناسب: لا بد من تقديم وجه مقنع، له كفاءة تدبيرية وكاريزما سياسية، قادر على إقناع عموم الناخبين وليس فقط أبناء قبيلته.


4. المشروع الجهوي: هل يحمل أبناء أيت أوسى رؤية تنموية للجهة ككل، أم سيُختزل الطموح في التمثيل القبلي فقط؟

إذا تحققت هذه الشروط، فإن الطريق إلى رئاسة الجهة أقرب من أي وقت مضى.

السياق الانتخابي القادم: فرصة تاريخية

الانتخابات المقبلة ستكون، بحسب كل المؤشرات، نقطة تحول في مشهد جهة كلميم واد نون. فالفئات الشابة، والنخب الصاعدة، وحتى الدولة، أصبحت تميل إلى التغيير المدروس بدل الاستمرار في إعادة إنتاج النخب القديمة.

قبيلة أيت أوسى تمتلك حاليًا:

رصيدًا نظيفًا في التسيير العام.

نخبة خبِرت الدولة من الداخل.

ثقة العديد من المتعاطفين من خارج القبيلة.


كل هذه العناصر تجعل من ترشيح شخصية وازنة من أيت أوسى لرئاسة الجهة خطوة منطقية، بل منتظَرة، إذا ما أُحسن التخطيط لها.


لحظة مسؤولية

القبائل لا تقود فقط بعدد الأصوات أو الماضي النضالي، بل بمشروع جماعي وإرادة تغيير حقيقية. وأيت أوسى اليوم، تمتلك فرصة تاريخية لتقديم نفسها ليس كبديل قبلي، بل كقوة حديثة، تحمل مشروعا تنمويا، وخطابا وطنيا، ونخبة مؤهلة.

هل سيتحقق هذا الحلم السياسي الجماعي؟ الجواب سيكون في صناديق الاقتراع، ولكن الإشارات كلها تقول: الطريق مفتوح، والعين على أيت أوسى.

Comments (0)
Add Comment