عندما تم الإعلان عن مشروع “المدرسة الرائدة” كأحد المداخل الإصلاحية للنهوض بالتعليم العمومي، استبشر كثيرون خيراً، معتبرين أنه قد يشكل منعطفاً حقيقياً في مسار مدرسة عمومية تعاني من أزمات بنيوية مزمنة. لكن مع مرور الوقت، بدأت الأصوات تتعالى منتقدة المقاربة المعتمدة، متسائلة: هل نحن فعلاً بصدد ثورة تربوية؟ أم مجرد عملية تجميلية هدفها تسويق نجاحات شكلية لإرضاء التطلعات السياسية؟
1. خفض سقف التوقعات: وهم الجودة
بدل أن يكون المشروع رافعة لتعليم نوعي، شهدنا ما يشبه خفضاً لسقف التوقعات، سواء من حيث الأهداف التربوية أو معايير التقييم. تم التركيز على مؤشرات سطحية: تجديد الفضاءات، إدخال بعض الوسائل الرقمية، طلاء الجدران، واستخدام تعبيرات تسويقية مثل “المدرسة النموذجية”، دون أن يصاحب ذلك إصلاح حقيقي للمناهج، وللتكوين المستمر للأساتذة، ولعدد التلاميذ داخل الأقسام، أو لتوزيع الموارد بشكل عادل.
2. النفخ في النتائج: سياسة الواجهة
كما هو الحال في العديد من المشاريع الحكومية، تم تضخيم النتائج إعلامياً. الأرقام والمعطيات المتداولة تشير إلى “ارتفاع نسب النجاح”، و”تراجع نسب الهدر المدرسي”، لكن دون توضيح سياق هذه الأرقام أو طريقة احتسابها. الواقع على الأرض يقول غير ذلك: مدارس تفتقر للبنية التحتية، أقسام مكتظة، نقص في الأطر التربوية، ولامبالاة لدى المتعلمين.
3. تداخل المسؤوليات: مشروع بين وزيرين
من المثير للاهتمام أن مشروع المدرسة الرائدة عرف تداخلاً في الرؤية بين وزيرين للتعليم، ما خلق نوعاً من الارتباك المؤسساتي. بدل أن تكون هناك استمرارية واضحة، بدا وكأن كل وزير يريد أن يترك بصمته الخاصة، ما جعل المشروع ينتقل من فكرة إصلاحية إلى ساحة تنافس سياسي غير منتج. هذه الازدواجية أدت إلى تضارب في الأولويات، وغياب رؤية موحدة.
4. بين الحلم والحقيقة
لا شك أن المدرسة الرائدة كمفهوم تلامس طموحات المغاربة في تعليم عمومي جيد ومجاني ومنصف. لكن الواقع يُظهر أن المشروع ظل حبيس التجريب، دون أن يلامس عمق الإشكالات. الإصلاح الحقيقي لا يمر فقط عبر تجميل الأقسام، بل عبر إصلاح شامل يبدأ من تكوين الأستاذ، وتطوير المناهج، وتحقيق العدالة المجالية، وتوفير بيئة تعليمية محفزة.
مشروع “المدرسة الرائدة” كشف عن هوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع. ولعل الدرس الأهم هو أن أي إصلاح لا ينبني على رؤية واضحة، وإشراك حقيقي للفاعلين التربويين، ويظل حبيس الأجندات السياسية، لن يفضي إلا إلى مزيد من التراجع والثقة المفقودة في المدرسة العمومية.