من الخطأ اختزال مشروع الحكم الذاتي بالصحراء المغربية في كونه مجرد مقترح لحل نزاع إقليمي طال أمده، لأن الدولة المغربية، في عمق تصورها، لا تتعامل مع هذا الورش باعتباره ملفًا حدوديًا فقط، بل باعتباره مدخلًا لإعادة صياغة نموذج الدولة نفسها في علاقتها بالمجال والإنسان والتنمية.
فالمغرب الذي دخل مرحلة الجهوية الموسعة لم يكن يبحث فقط عن توزيع جديد للاختصاصات الإدارية، بل كان يؤسس لرؤية دولة حديثة تدرك أن المركزية، مهما نجحت في مرحلة بناء الدولة الوطنية، لم تعد قادرة وحدها على تدبير تعقيد المجالات واختلاف حاجياتها وتنوع خصوصياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
ولهذا جاء مشروع الحكم الذاتي في الصحراء باعتباره أكثر من مبادرة سياسية؛ إنه مختبر حقيقي لنموذج مغربي جديد في الحكامة الترابية والتنمية والسيادة الذكية.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو:
كيف يمكن لهذا المشروع أن يتحول من نص دستوري ومؤسساتي إلى مشروع حضاري وتنموي قادر على إصلاح ما أفسدته عقود من التفاوتات والاختلالات؟
الحقيقة أن الدولة المغربية استثمرت خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير في البنية التحتية بالأقاليم الجنوبية: موانئ، طرق سريعة، ربط كهربائي، مطارات، مشاريع الطاقات المتجددة، وتوسيع شبكات الخدمات الأساسية.
وهي استثمارات تؤكد أن الدولة لا ترى الجنوب كعبء جغرافي، بل كامتداد استراتيجي للمغرب نحو عمقه الإفريقي والأطلسي.
غير أن مشروع الدولة لا يمكن أن يكتمل بالمنشآت فقط.
فالرهان الحقيقي هو بناء الإنسان. وليس فقط ربط المدن بالطرق، بل ربط المواطن بالأمل.
فالجهوية الموسعة، وفق رؤية الدولة، ليست مجرد “لامركزية إدارية”، بل انتقال نحو نموذج يجعل من كل جهة قطبًا اقتصاديًا ومجاليًا قادرًا على إنتاج الثروة واتخاذ المبادرة والمساهمة في القرار الوطني.
ومن هنا تبرز أهمية الجهات الجنوبية الثلاث، ليس فقط كفضاء جغرافي واسع، بل كخزان استراتيجي لمغرب المستقبل.
فالواجهة الأطلسية الجنوبية مرشحة لتصبح أحد أهم المحاور الاقتصادية الإفريقية في العقود المقبلة، خصوصًا مع التحولات الجيوسياسية العالمية وعودة الاهتمام بالممرات البحرية والطاقات النظيفة والتكامل الإفريقي.
الدولة تبدو واعية اليوم بأن نجاح الحكم الذاتي لا يُقاس فقط بوجود مؤسسات جهوية، بل بقدرة هذه الجهات على خلق نموذج تنموي يشعر معه المواطن أن الثروة تُنتج محليًا وتنعكس على حياته اليومية.
وهنا يكمن التحدي الأكبر:
الانتقال من منطق “التدبير الاجتماعي” إلى منطق “الإقلاع الاقتصادي”.
فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى الدعم والوظيفة العمومية، بل إلى اقتصاد جهوي حقيقي قائم على: تثمين الثروات البحرية، الصناعات التحويلية، الطاقات المتجددة، اللوجستيك الإفريقي، السياحة البيئية والثقافية، والفلاحة الصحراوية الذكية.
كما أن مشروع الدولة في الجنوب لا يمكن أن ينجح دون إعادة الاعتبار للرأسمال اللامادي:
الثقافة الحسانية، الذاكرة الجماعية، مؤسسة القبيلة في بعدها الاجتماعي، والموروث الصحراوي باعتباره عنصر استقرار وهوية لا عائقًا أمام الحداثة.
فالدولة الحديثة لا تُبنى ضد الخصوصيات المحلية، بل عبر إدماجها داخل مشروع وطني جامع. ولعل أكبر تحول في الرؤية المغربية اليوم هو الانتقال من فكرة “تدبير الصحراء” إلى فكرة “بناء الصحراء”.
أي تحويلها من ملف سياسي إلى فضاء إنتاج استراتيجي، ومن هامش جغرافي إلى مركز ثقل اقتصادي ودبلوماسي نحو إفريقيا.
غير أن هذا المشروع، مهما كانت قوة الدولة وإرادتها، لن ينجح إلا بجعل الإنسان قطب رحى التنمية. فالرهان يقتضي أيضًا نخبًا جهوية جديدة تؤمن بثقافة الإنتاج بدل انتظار الريع، وتؤمن بالمبادرة بدل الاكتفاء بالترافع والخطابات.
لقد آن الأوان لأن يتحمل الجميع مسؤوليته:
الدولة، المنتخب، المستثمر، الجامعة، المجتمع المدني، وأبناء المنطقة أنفسهم.
لأن الحكم الذاتي الحقيقي لا يعني فقط أن تدبر الجهة شؤونها، بل أن تؤمن أيضًا بقدرتها على صناعة مستقبلها.
إن مشروع الدولة في الجنوب ليس مشروع ظرفية سياسية، بل مشروع تاريخ كامل.
مشروع يراد له أن يجعل من الصحراء المغربية ليس فقط أرضًا تحت السيادة، بل أرضًا تصنع السيادة الاقتصادية والثقافية والتنموية للمغرب وإفريقيا معًا.