شباك الضباب… اختراع بسيط ينقذ سكان الجبال من العطش

في قمم جبال الأطلس الكبير، حيث يختلط الضباب بالصخور الشامخة مع بزوغ الفجر، ولدت واحدة من أنجح التجارب البيئية في المغرب: محطات تجميع ماء الضباب. هذه التقنية تعتمد على شبكات ألياف دقيقة تُثبت عموديًا على أعمدة حديدية، فتلتقط قطرات الماء العالقة في الضباب وتحولها تدريجيًا إلى مجاري صغيرة تنساب نحو خزانات التجميع.

في منطقة بويغراين بإقليم سيدي إفني، استطاعت هذه المحطات توفير المياه لعشرات العائلات التي كانت تعتمد على الصهاريج أو قطع مسافات طويلة نحو الآبار. بعض هذه الشبكات تنتج في أيام الضباب الكثيف ما بين 10 إلى 20 لترًا لكل متر مربع من الشبكة، وهو معدل كافٍ لتغطية حاجيات الأسر الأساسية من الشرب والطهي والغسل.

رغم أن فكرة تجميع ماء الضباب ليست جديدة عالميًا، حيث استُعملت سابقًا في تشيلي وبيرو والإكوادور وخاصة في صحراء أتاكاما، إلا أن التجربة المغربية تُعد اليوم من أكبر المشاريع في العالم من حيث المساحة وعدد المستفيدين. وقد تميزت بتطوير تصميم الشبكات لتناسب طبيعة جبال الأطلس وقوة رياحها، مع اعتماد هياكل أكثر صلابة وفعالية، مما جعلها نموذجًا يُحتذى به في إفريقيا والعالم.

وتندرج هذه المشاريع المبتكرة في إطار التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الرامية إلى تعزيز الأمن المائي وضمان الحق في الماء لكل المواطنين، حيث أكد جلالته في خطاباته الأخيرة على ضرورة إيجاد حلول عملية ومستدامة لمواجهة تحديات ندرة المياه، مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والجبلية.

ورغم بساطة الفكرة، فإن أثرها يتجاوز التزود بالماء ليصل إلى:

الحد من الهدر المدرسي خاصة للفتيات اللواتي كان حمل الماء يعرقل مسيرتهن التعليمية.

تقليل الضغط على الموارد الجوفية التي باتت مهددة بفعل التغيرات المناخية والجفاف.

تعزيز صمود ساكنة القرى الجبلية أمام التقلبات المناخية، بفضل مورد مائي مستدام وذو تكلفة تشغيلية شبه منعدمة.


وتتطلع مشاريع المستقبل إلى توسيع نطاق هذه المحطات نحو قرى أخرى في الأطلسين الكبير والمتوسط، مع تطوير المواد المستعملة في الشبكات لزيادة كفاءة التكثيف وجمع كميات مضاعفة حتى في فترات انخفاض كثافة الضباب.

هذا النموذج المغربي يقدم للعالم رسالة واضحة: أن الحلول البسيطة المستلهمة من الطبيعة قد تكون أعمق أثرًا من المشاريع الضخمة عندما تلامس الحاجة المباشرة للإنسان في بيئته وظروفه الواقعية، انسجامًا مع رؤية المملكة المغربية الشريفة في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.



علي تستاوت – خبير في الهندسة المدنية والبناء، خبير في الموارد المائية وباحث في التنمية المستدامة.

Comments (1)
Add Comment
  • سيد القوم

    تبارك الله على الخبير ديالنا