رجل الإستراتيجية والميدان.. فوزي لقجع يترجم الرؤية الملكية إلى ثورة كروية شاملة

شهدت كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير طفرة هيكلية غير مسبوقة، نقلت المملكة من خانة المعاناة القارية إلى ريادة المشهد الكروي دوليًا وإفريقيًا. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج “هندسة استراتيجية” دقيقة قادها رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، مستندة إلى رؤية ملكية بعيدة المدى، وضعت الرياضة في قلب التنمية الوطنية والدبلوماسية الناعمة للمملكة.

يقود فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ثورة هيدروليكية وإدارية صامتة حولت المغرب إلى قطب كروي عالمي. لم يكن الطموح مجرد التأهل إلى بطولات عابرة، بل بناء منظومة مستدامة تمزج بين الاستثمار في البنية التحتية، وتكوين المواهب، والتموقع القوي في مراكز القرار الرياضي القاري والدولي.

تأسست الثورة الكروية المغربية على ثلاثة محاور متكاملة شكلت العمود الفقري للانتقال نحو عالم الاحتراف، أولاها، تحديث البنية التحتية والمراكز الفيدرالية، إذ يمثل مركب محمد السادس لكرة القدم في المعمورة قلب هذه النهضة؛ إذ يعد واحدًا من أرقى المراكز الرياضية عالميًا. بالتوازي مع ذلك، أشرفت الجامعة على تحديث الملاعب الكبرى، وتوسيع شبكة ملاعب القرب، وتأسيس مراكز تكوين جهوية لضمان عدالة جغرافية في التنقيب عن المواهب.

المحور الثاني، عولمة التكوين ومأسسة المواهب، حيث لم يعد التكوين عشوائيًا، بل صار مُمأسسًا عبر أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي تزاوج بين التعليم الأكاديمي والرياضي. أنتجت هذه الآلية جيلًا ذهبيًا شكل نواة الإنجازات الوطنية (أوناحي، النصيري، أكرد).

وثالث المحاور، تفعيل إستراتيجية “مغاربة العالم”، بفضلها اعتمدت المنظومة على جهاز تنقيب احترافي واسع النطاق في أوروبا، نجح في إقناع كبار المواهب مزدوجة الجنسية (مثل زياش، حكيمي، وإبراهيم دياز) باختيار قميص “أسود الأطلس”، عبر تقديم مشروع رياضي صلب ومقنع، بدلاً من الاعتماد على العاطفة فقط.

وأثمرت هذه الاستراتيجية الممنهجة نتائج ملموسة وضعت المغرب في صدارة المشهد الرياضي العالمي، فبالنسبة للمنتخبات الوطنية، الوصول إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، ومواصلة التألق في مونديال 2026 ببلوغ أدوار متقدمة (ثمن النهائي) ومقارعة كبار اللعبة، أما الكرة النسوية والفوتسال، هيمنة قارّية لمنتخب القاعة (الفوتسال) ودخوله طوب 10 عالميًا، إلى جانب ريادة منتخب السيدات، الذي أحرز وصافة كأس إفريقيا 2022 والتأهل التاريخي لثمن نهائي مونديال السيدات 2023.

وعرفت الدبلوماسية الرياضية تعزيز النفوذ الإداري داخل الكاف والفيفا، وإنهاء عقود من التهميش الإداري للمغرب في لجان القرار الإفريقي، ليصبح للمملكة صوت وازن يحمي مصالحها الرياضية. والتتويج بالظفر التاريخي بتنظيم كأس العالم 2030 بملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال، والاستعداد اللوجستي الكامل لتنظيم نهائيات كأس أمم إفريقيا بمواصفات تنظيمية غير مسبوقة تستقطب أزيد من مليون مشجع.

ورغم النجاحات الباهرة، يواجه مشروع فوزي لقجع تحديات جوهرية لضمان الاستدامة، منها الفجوة بين اللاعب المحلي والمحترف، إذ أقر لقجع مؤخرًا بوجود اختلال واضح بين مستويات الإشعاع الخارجي والبطولة المحلية (البطولة برو)، حيث دعا إلى وضع إستراتيجية وطنية عاجلة لسد الفجوة وتطوير اللاعب المحلي داخل الدوري ليعود لتطعيم المنتخبات.

وأكد رئيس الجامعة أن بعض الأندية الوطنية تعاني من أزمات تسييرية وديون خانقة، مما يتطلب تفعيل شروط صارمة لمنح الرخص وتحويل الأندية إلى شركات رياضية حقيقية ذات تدبير مالي احترافي. وبعد سنوات من لعب دور “المضيف المنقذ” للبطولات الإفريقية، أعلن المغرب بوضوح توجهه الجديد بالتركيز على البطولات المونديالية القادمة، وفتح المجال ودعم الدول الإفريقية الشقيقة لتنظيم التظاهرات الرياضية من أجل نمو جماعي للقارة.

إن الثورة الكروية التي يقودها فوزي لقجع في المغرب تقدم نموذجًا يُدرّس في كيفية تحويل الرياضة من مجرد لعبة إلى قاطرة تنموية ودبلوماسية، ومع اقتراب استحقاقات مونديال 2030، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على وثيرة التطور ذاتها وضمان انتقال عدوى “الاحترافية” من عصبة المنتخبات الوطنية إلى عمق التدبير اليومي للأندية المحلية لضمان استدامة هذه النهضة.

Comments (0)
Add Comment