يعيش الشارع المغربي على إيقاع حركية سياسية متسارعة طبعتها حملات انتخابية حامية الوطيس، مع اقتراب الاقتراع التشريعي الحاسم المقرّر في 23 شتنببر 2026، وكالعادة، تحولت منصات الخطابة ووسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاءات تتقاطر منها وعود يسيل لها اللعاب، رُسمت بفرشاة “الأحلام الوردية” لاستمالة أصوات كتلة ناخبة أثقل كاهلها الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. بين لغة الأرقام الفلكية وواقع الإكراهات الاقتصادية، يتساءل المواطن المغربي: هل نحن أمام التزامات حقيقية قابلة للتنفيذ، أم مجرد مساحيق تجميلية تنتهي بانتهاء الحملة.
نحاول في هذا المقال أن نسلط الضوء على بورصة الوعود الانتخابية، وأبرز برامج الأحزاب المتنافسة، والجدل الدائر حول واقعيتها، إذ اتفقت البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية المتنافسة — سواء من التحالف الحكومي الحالي أو المعارضة — على وضع الملفات الاجتماعية في صدارة أولوياتها، مع تفاوت واضح في سقف الطموحات والحلول المقترحة.
*حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI):* يراهن على مواصلة البناء على حصيلته الحكومية السابقة، مركّزاً على ورش الدولة الاجتماعية ودعم الأسرة، مع تبني مقترح رفع الحد الأدنى للأجور للوصول به إلى 5000 درهم كتزام اجتماعي أساسي.
*حزب الأصالة والمعاصرة (PAM):* أطلق ما سماه “ميثاق القدرة الشرائية”. تضمن وعوداً مثيرة للجدل مثل خلق مليون منصب شغل صافٍ خلال السنوات الخمس المقبلة، خفض نسبة البطالة إلى 7% بحلول عام 2031، تقديم مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم، وتخفيض الضريبة على الدخل.
*حزب الاستقلال (PI):* يركز في خطابه على الجمع بين السيادة الاقتصادية الوطنية ودولة الرعاية، مع تقديم مقاربات تدعم الطبقة المتوسطة وتحميها من التقلبات السعرية.
*حزب العدالة والتنمية (PJD):* يقود معارضة هجومية؛ حيث ركّز برنامجه على محاربة الاحتكار والفساد المالي وتوفير الحماية للطبقات الهشة والفقيرة، محذراً بقوة على لسان أمينه العام عبد الإله بنكيران من السقوط في فخ “الأحلام الوردية” التي تفتقد للواقعية وتتحول لاحقاً لكوابيس.
*أحزاب اليسار والمعارضة الأخرى (كالاتحاد الاشتراكي والحزب الاشتراكي الموحد):* تدفع في اتجاه تكريس العدالة الأجرية والاجتماعية والحكامة الصارمة لمواجهة التضخم والاجهاد المائي.
وللمقارنة بين الوعود والواقع المالي، نجد أن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، ومواصلة برامج الدعم الاجتماعي، الذي جاء به حزب التجمع الوطني للأحرار، يواجه إكراهات الميزانية العامة وتأثير الزيادة على التنافسية للقطاع الخاص.
أما وعود حزب الأصالة والمعاصرة بخلق مليون منصب شغل، ومجانية الكهرباء (دون 100 درهم)، وخفض ضريبة الدخل، كلها وعود ستلاقي صعوبة التوفيق الماكرو-اقتصادي بين تقليص الضرائب وضخ تمويلات ضخمة، فيما وعود حزب العدالة والتنمية المتمثلة في ضبط الأسعار، محاربة الاحتكار، حماية المال العام ودعم الفئات الصعبة، ستجد تحديات تقلب الأسواق العالمية والجفاف وتأثيرها المباشر على التضخم.
ورغم بريق الشعارات التي تملأ الساحات، فإن المحللين الاقتصاديين يطرحون علامات استفهام كبرى حول مصادر التمويل وعقلانية هذه البرامج، ويرى منتقدون لهذه الوعود، أن التعهد بخلق مليون وظيفة وخفض الضرائب في آن واحد يمثل “ثلاثيات مستحيلة” ما لم تُكشف آليات تحقيق نسب نمو غير مسبوقة (تتجاوز 6% أو 8%)، فالوعود برفع “السميك” وتخفيض فواتير الطاقة والضرائب تتداخل بشكل مربك بين ما هو “قرار حكومي ممول من ميزانية الدولة” وما هو “برنامج حزبي انتخابي” العُرض منه استمالة الناخبين.
وفي استطلاع لآراء المواطنين عبر منصات الإعلام والشبكات الاجتماعية، تتباين المواقف بوضوح، ففئة المتشائمين ترى أن الخطاب الانتخابي “كلام معسول” يُنسى بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، وتعتبر أن أزمة الثقة وتكرار الوجوه والترحال السياسي يغذيان العزوف، خاصة لدى الشباب، أما فئة العقلانيين فتطالب الأحزاب بالوضوح وتحديد الكلفة المالية والمدد الزمنية الصارمة لتنزيل البرامج بدل إطلاق الكلام الغير مجدي، من جهة أخرى، يرى فاعلون سياسيون أن هناك تطوراً ملحوظاً في وعي الناخب المغربي، حيث لم يعد يكتفي بالإنصات، بل بات يناقش ويحاسب المرشحين بناءً على أدائهم السابق ومدى مصداقية أرقامهم.
تدخل الاستحقاقات التشريعية لعام 2026 منعطفاً حاسماً؛ فالمغرب مقبل على أوراش عملاقة واستراتيجية (من بينها التحضير لمونديال 2030 وتحديات الإجهاد المائي)، ولم يعد المشهد السياسي يتحمل “سرعتين” متناقضتين: سرعة المشاريع الكبرى وسرعة البرامج الحزبية المتثاقلة. وتبقى الصناديق هي الفيصل، والولاية المقبلة هي المحك الفعلي لمعرفة ما إذا كانت هذه الوعود خطة عمل حقيقية أم مجرد سحابة صيف عابرة محملة بـ “أحلام وردية”.