لم تعد الوطنية براءة اختراع مسجلة باسم بعض الأكاديميين الذين ينظرون إلى الناس من أبراجهم العاجية، وكأن حبّ الوطن لا يُمنح إلا بتأشيرة منهم. الوطنية شعور صادق، ومسؤولية جماعية، لا تُقاس بالألقاب الأكاديمية ولا تُحصى بعدد المحاضرات والندوات، بل تُقاس بالصدق في الموقف، والوضوح في الانحياز للقضايا المصيرية.
ومن أغرب مفارقات الزمن الرقمي أن نشهد مشهدًا مقلوبًا تمامًا: تيكتوكر سابق، طالما وُصف بأنه خصمٌ للمغرب، يتحول إلى أحد أبرز المدافعين عن الطرح المغربي في قضية الصحراء، بينما يتوارى خلفه دكاترة وأكاديميون، أصبحوا مجرد عازفين في جوقته الرقمية، يتسابقون لتبرير مواقفه، ويقدّمون أنفسهم كمرشدين سياحيين له وهو يتنقّل في خريطة التأثير السياسي.
إننا أمام حالة أسعد الشرعي، وهي ليست مجرد قصة تحول في المواقف، بل تحوّل في موازين التأثير، حسب ماتمليه الطوندونس. فالرجل، بعد أن كان يصنَّف ضمن خصوم الطرح المغربي، أعاد تموضعه، وأصبح فجأة في طليعة المدافعين عن الحكم الذاتي، وجنّد خلفه طابورًا من الأصوات التي كانت حتى الأمس القريب تُقدّم نفسها كمصدر للشرعية الفكرية والسياسية، فإذا بها تدور في فلكه، وتُجاريه، بل وتقتات على وهج حضوره الرقمي.
أيّ مفارقة هذه، حين يصبح الأكاديمي تابعًا لمؤثر، لا العكس؟ وحين تتحول النخبة إلى “كومبارس” في مشهد من إنتاج تيكتوكر، يُملي الإيقاع ويتولى الإخراج؟
ألم يكن الأكاديمي هو من يُفترض أن يملك البوصلة النظرية، والتحليل العميق، والرؤية بعيدة المدى؟ كيف أصبح بعضهم يهرول خلف منشور، أو يتباهى بصورة إلى جانب “الشرعي”، وكأنها شهادة حسن سلوك رقمية؟
الجواب قد لا يكون في أشخاص بعينهم، بل في تحوّلات عميقة يشهدها المجال العمومي، حيث لم تعد الشهادة الأكاديمية جواز سفر نحو التأثير، بل أصبحت في أحيان كثيرة عبئًا على صاحبها، إذا لم يحسن مخاطبة جمهور الزمن الرقمي.
والأخطر من كل هذا، أن تتحول النخبة إلى “ظِل” لا يتحرك إلا حين يتحرك المؤثر، ولا يعلو صوتها إلا حين يصفق الجمهور. حينها، يصبح التيكتوكر معيارًا لشرعية الأكاديمي، ويغدو الانتماء قضية تُناقش بمنطق عدد المشاهدات، لا بحجية التاريخ والجغرافيا والشرعية الوطنية.
وفي الختام، لا لوم على أسعد الشرعي إن وجد لنفسه مكانًا في قلب النقاش الوطني، ما دام قد غيّر موقفه ودخل إلى دائرة الدفاع عن مصالح المغرب. لكن اللوم كل اللوم على أولئك الذين خلعوا عن أنفسهم عباءة الفكر، واكتفوا بدور مَن يسهر على راحة “الشرعي” وهو يُنظّر من هاتفه المحمول، كأنه مفكر المرحلة، وناطق باسم الوطن.