ليست مداخلة الدكتورة حسناء أبو زيد على هامش الندوة المنظمة من طرف مؤسسة عبدالرحيم بوعبيد تحت عنوان ” رهانات الحكم الذاتي” رفقة ثلة من الأكاديمين موقفًا عابرًا أو رأيًا مناسباتيًا، بل هي مرافعة أخلاقية قبل أن تكون تشخيصًا سياسيًا. فقد أعادت النقاش إلى سؤاله الجوهري: كيف يمكن بناء حلّ من الداخل؟ وكيف نعيد تعريف الوطنية خارج منطق التخوين والإنكار؟
وتؤكد هذه القراءة أن جوهر النزاع ليس في نقص الصيغ أو الحلول التقنية، بل في أزمة ثقة عميقة. فكل مقترح، مهما بلغت دقته القانونية، سيظل هشًّا إن لم يُقنع بتحول حقيقي في عقل السلطة وفي علاقتها بالمجتمع، وبالصحراويين تحديدًا.
المصالحة: من ترف سياسي إلى شرط تأسيسي
تضع مداخلة حسناء أبو زيد المصالحة في صلب النقاش، لا باعتبارها خيارًا ثانويًا، بل شرطًا تأسيسيًا لأي حل مستدام. المصالحة هنا ليست صفقة سياسية ولا عملية نسيان قسري، بل مسار أخلاقي له كلفته الإنسانية. تبدأ من الاعتراف بالألم، لا من القفز فوقه.
فالضحايا ليسوا أرقامًا:
أمهات فقدن أبناءهن، جنود وجدوا أنفسهم في مواجهة أبناء العمومة، عائلات حُرمت حتى من طقس الحداد. هذه الوقائع ليست هامشية، بل مفاتيح لفهم عمق الأزمة.
وتحذر المداخلة من منطق التحكم في الهوية عبر الخوف. فالرقابة على التاريخ، وتقييد السرديات الثقافية، لا تحمي الوحدة الوطنية، بل تُنتج تحرشًا هوياتيًا وانفصالًا وجدانيًا صامتًا.
من هنا تبرز أهمية تفويض تدبير السياسة الثقافية—لا الحكم الذاتي الثقافي—باعتباره مدخلًا عقلانيًا لبناء الثقة، واحترام التعدد داخل الوحدة، وتحويل الثقافة من ساحة صراع إلى جسر للمصالحة.
ترفض هذه القراءة منطق رفض احتكار التمثيل، سواء باسم الانفصال أو باسم الوطنية. فالصحراء فضاء تعدد شرعيات وتموقعات، ولا يمكن اختزالها في صوت واحد أو مسار واحد. الاعتراف بهذا التعدد ليس تهديدًا للدولة، بل شرط لاستقرارها.
ما تقترحه مداخلة حسناء أبو زيد، في العمق، هو انتقال:
من منطق التدبير الأمني
إلى منطق الشجاعة السياسية
ومن لغة الضبط
إلى لغة الثقة والمشاركة
فالمصالحة لا تُفرض بالقانون ولا تُدار بالإجراءات، بل تُبنى بالصدق وتحمل المسؤولية.
المصالحة التي لا تُبنى على الصدق والاعتراف، ولا تحترم كلفة الألم الإنساني، تظل مجرد ترتيب إداري للنسيان. فالجرح الذي لم يُسمَّ باسمه لا يندمل، والذاكرة التي يُطلب منها الصمت تتحول إلى سلاح مؤجّل.
وقد لخّصت الألم في رصاصة تطلق من شرق الجدار.
على أخ، أو أب، أو صهر…… لا يعرف صاحبها، على رأي محمود درويش،
أهو القاتل؟
أم المقتول.
لكن المصالحات دين قائم بذاته، على رأي الدكتورة التي شخصت من لايصالح ، بأبيات من قصيدة أمل دنقل.
لا تصالح ولو منحوك الذهب…. في رفض لمصالحة الصفقات.
أقلب الغريب؟
كقلب أخاك؟…..
هل تتساوى يد، سيفها كان لك؟
بيد سيفها أثكلك؟؟؟؟
الشاعر أمل دنقل لخص هذا المأزق الأخلاقي ببيت بالغ القسوة والوضوح.
ليس لأن المصالحة مستحيلة، بل لأنها—إن لم تكن عادلة وصادقة—قد تتحول إلى أذى جديد. ومن هنا تبدأ المسؤولية: مصالحة تُنقذ الإنسان قبل الصيغة، وتداوي الذاكرة قبل تجميل الحاضر.