القضاء العبري بالمغرب

خصوصية قانونية تجسّد التعدد الديني وحماية الهوية
يُعدّ القضاء العبري بالمملكة المغربية مؤسسة قانونية فريدة من نوعها، تعكس عمق التعدد الديني الذي ميّز المجتمع المغربي عبر قرون، وتكرّس خصوصية الأحوال الشخصية للمغاربة اليهود في إطار من الاعتراف الرسمي والرعاية المؤسساتية للدولة.
وتضطلع الغرفة العبرية، المعروفة بالمحكمة الحاخامية، والملحقة حالياً بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، بمهمة البت في قضايا الأحوال الشخصية لليهود المغاربة، وعلى رأسها الزواج والطلاق والنفقة والإرث والوصايا، وذلك وفقاً لأحكام الشريعة الموسوية.
ويستند هذا النظام القضائي إلى أساس قانوني واضح، يضمنه الفصل الثالث من قانون 26 يناير 1965، الذي يقرّ صراحة بتطبيق القانون العبري على المواطنين المغاربة من الديانة اليهودية في كل ما يتعلق بأحوالهم الشخصية، وهو ما يشكّل استثناءً نادراً على الصعيد الدولي.
ومع تراجع عدد اليهود المقيمين بالمملكة، تم توحيد المحاكم العبرية في غرفة واحدة مركزية بالدار البيضاء، بما يضمن استمرارية هذا المرفق القضائي، مع الحفاظ على اختصاصه الديني والقانوني. ويشرف على هذه الغرفة حاخامات وأحبار يهود مغاربة يتم تعيينهم وفق مساطر رسمية، وتحت إشراف وزارة العدل، بما يضمن استقلالية الأحكام واحترام الضوابط القانونية الوطنية.
كما يواكب هذا القضاء نظام توثيق خاص، يعتمد على عدول عبريين (سوفير) مختصين في تحرير وتوثيق العقود والوثائق الشرعية، وفقاً للتقاليد القانونية اليهودية، بما يحفظ الحقوق ويصون المعاملات.
ويحظى القضاء العبري باعتراف دستوري غير مباشر، في إطار تأكيد الدستور المغربي على صيانة الروافد المتعددة للهوية الوطنية، وفي مقدمتها الرافد العبري، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية والثقافية للمغرب.
ويمثل هذا النموذج القضائي المتفرد دليلاً عملياً على نهج المملكة في احترام التعدد الديني، وضمان حرية المعتقد، وحماية الخصوصيات الثقافية والقانونية لمختلف مكوّنات المجتمع، في انسجام تام مع ثوابت الدولة ومؤسساتها.

Comments (0)
Add Comment