في السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن المغرب قد دخل مرحلة جديدة في تدبير المجال الحضري، تقوم على إدماج البيئة في قلب السياسات العمومية. هذا التوجه لم يكن وليد الصدفة، بل يُجسد رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يؤكد، في خطبه وتوجيهاته، على أهمية جعل الإنسان في صلب التنمية، وعلى ضرورة توفير فضاءات حضرية تليق بكرامته وتستجيب لتطلعاته.
ففي أكثر من مناسبة، شدد جلالته على أهمية النهوض بجودة الحياة داخل المدن، داعيًا إلى محاربة مظاهر التهميش والإقصاء المجالي، والارتقاء بالمشهد العمراني بطريقة تحفظ التوازن بين التنمية والمحيط البيئي. هذه التوجيهات الملكية لم تبقَ حبيسة التصورات، بل وجدت طريقها إلى عدد من البرامج والمبادرات التي بدأت تؤتي ثمارها تدريجيًا.
لقد لمستُ شخصيًا هذه التحولات وأنا حالياً في المغرب، حيث تنقلت بين مدن مثل الدار البيضاء، الرباط، والقنيطرة. هناك، تتراءى للعين بوادر تحول حضري عميق، تحركه إرادة واضحة في تثمين الفضاءات العمومية، وتوسيع المناطق الخضراء، وتحسين ظروف العيش في الأحياء السكنية. هي مؤشرات تدل على أن المدن المغربية بدأت تتنفس بطريقة مختلفة، أقرب إلى الإنسان، وأكثر انسجامًا مع معايير العيش الكريم.
من موقعي كـخبير في الهندسة المدنية والبناء، وباحث في التنمية المستدامة، أستطيع أن أؤكد أن هذه الدينامية ليست فقط تقنية أو عمرانية، بل تعبّر عن وعي استراتيجي يتقدم به المغرب بثبات. فنحن لا نتحدث هنا عن تدخلات سطحية، بل عن رؤية طويلة المدى، تُحاول أن تُعيد للمدينة هويتها كفضاء للعيش المشترك، وليس فقط كموقع للبناء والإيواء.
بطبيعة الحال، لا يمكن إنكار أن الطريق لا تزال طويلة، وأن التحديات البيئية والضغط السكاني والتوسع العمراني السريع، كلها عوامل تفرض إعادة التقييم المستمر. لكن المُلفت، هو أن هناك إرادة سياسية واضحة، تُعلي من شأن البيئة، وتعتبرها عنصرًا حاسمًا في التنمية المستدامة.
أما من يبحث عن الأجوبة التقنية والتفاصيل المهنية، فليعلم أن هذه المعطيات ليست غائبة، بل موجودة ومتاحة لدى كفاءات مغربية متمكنة، راكمت تجارب ميدانية وأكاديمية في مجال التهيئة الحضرية والبيئة المستدامة. لكن المهم قبل طرح الأسئلة، هو الاعتراف بقيمة هؤلاء الخبراء، وإشراكهم في مواقع القرار. فالتخطيط الحضري البيئي لا يُبنى على الارتجال أو الحلول السطحية، بل يتطلب فهماً عميقاً للواقع، وتحليلاً علميًا دقيقًا، وتقديراً للتوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد.
إن المدن لا تُبنى فقط بالإرادة، بل بالكفاءة أيضًا. ونحن في المغرب، نملك من الطاقات ما يؤهلنا لصياغة أجوبة عملية، لو أُتيحت لها المساحة الكافية. فليُفتح المجال لمن يملك الرؤية والعِلم، وليكن لكل مرحلة خبراؤها، ولكل مشروع رجال ونساء يعرفون كيف يربطون بين الجمال العمراني، والبعد الإنساني، والعمق البيئي.
ولا يفوتني هنا أن أؤكد، باعتزاز، على أن من بين هذه الكفاءات مغاربة من الجالية المقيمة بالخارج، الذين راكموا خبرات كبرى في عدد من المجالات الدقيقة، سواء في الهندسة، أو التخطيط، أو السياسات البيئية، أو مجالات أخرى كثيرة. هؤلاء أيضًا يشتغلون بإخلاص، سواء من داخل المغرب أو من خارجه، ويساهمون في الدفع بعجلة التنمية، بما يحملونه من كفاءة، وغيرة وطنية، واستعداد دائم للانخراط في كل مشروع وطني طموح، كلما أُتيحت لهم الفرصة وتم الاعتراف بقيمتهم الحقيقية.
علي تستاوت
خبير في الهندسة المدنية والبناء
باحث في التنمية المستدامة