مسجد الحسن الثاني… تحفة هندسية ومعمارية على ضفاف الأطلسي
بصفتي خبيرًا في الهندسة المدنية والبناء، لطالما شدّ انتباهي مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، ليس فقط كمعلم ديني شامخ، بل كمشروع هندسي جريء واجه البحر وتحدياته، وجعل من المحيط الأطلسي شريكًا في التصميم.
تعود فكرة هذا الصرح إلى الملك الحسن الثاني رحمه الله، الذي أراد أن يُشيَّد مسجد على شاطئ البحر، يستلهم قوله تعالى: “وكان عرشه على الماء”. أطلق المشروع سنة 1986، وتابعه عن قرب حتى تم افتتاحه في 30 أغسطس 1993، في ذكرى ميلاده الستين. شارك في أعمال البناء أكثر من 10,000 عامل وحرفي و3,000 مهندس وتقني، عملوا ليل نهار لإنجاز تحفة تجمع بين العمارة المغربية التقليدية وأحدث التقنيات الهندسية.
المسجد يمتد على مساحة تقارب 9 هكتارات، منها أكثر من 6 هكتارات للبناء، ويتسع لنحو 25,000 مصلٍ داخل القاعة و80,000 في الساحات الخارجية. أما المئذنة، التي تعلو 210 أمتار، فهي الأعلى في العالم، ومزودة بشعاع ليزري يشير نحو مكة المكرمة لمسافة تصل إلى 30 كيلومترًا.
من الناحية الهندسية، شكّل الموقع على خط الساحل تحديًا كبيرًا. جزء من المبنى قائم فوق مياه الأطلسي، ما استلزم إنشاء أساسات بحرية عميقة باستخدام ركائز خرسانية عالية المقاومة (HPC) مدعمة بمواد مضافة لمقاومة التآكل بفعل الأملاح. ولحماية هذه الأساسات من الأمواج، شُيّد حاجز أمواج مع طبقات من الصخور الضخمة (Riprap) لامتصاص الطاقة الحركية للماء. كما تم اعتماد أنظمة عزل متطورة متعددة الطبقات على الجدران والأرضيات المواجهة للبحر، تتضمن أغشية بيتومينية ومركبات إيبوكسية لضمان متانة طويلة الأمد.
ومن أبرز الابتكارات المعمارية السقف المتحرك لقاعة الصلاة، الذي يفتح ويغلق أوتوماتيكيًا خلال خمس دقائق، مما يسمح بدخول ضوء الشمس والهواء النقي. كذلك، نُفذت أنظمة صوتية متقدمة تضمن وضوح الخطاب الديني في جميع أنحاء المسجد، دون صدى مزعج.
ورغم اعتماد أحدث التقنيات، ظل البعد الحرفي حاضرًا بقوة: الزليج المغربي التقليدي يغطي آلاف الأمتار المربعة، والأرابيسك الخشبية المنحوتة يدويًا من خشب الأرز تزين الأبواب والسقوف، والرخام المصقول – محلي ومستورد – يضفي فخامة على الأرضيات والجدران، مع إدماج أحجار شبه كريمة في بعض التفاصيل.
واليوم، وأنا أقف أمام المسجد في قلب الدار البيضاء، يختلط في داخلي شعور الفخر بالانبهار. نسيم المحيط يلامس وجهي، وصوت الأمواج يتداخل مع أذان المغرب في مشهد يصعب وصفه. السير على الرخام البارد في الساحة الخارجية، ورؤية انعكاس المئذنة في مياه البحر، يجعلني أدرك أن هذه التحفة ليست مجرد بناء، بل روح مدينة كاملة متجسدة في الحجر والزليج والخشب.
بالنسبة لي، مسجد الحسن الثاني ليس فقط إنجازًا إنشائيًا ومعماريًا، بل هو نموذج حي على أن الهندسة يمكن أن تكون جسرًا بين الإيمان والجمال، وبين التراث والتكنولوجيا. كل مرة أزوره، أرى فيه درسًا في الطموح، وإصرارًا على تحدي المستحيل، ورمزًا خالدًا لرؤية الحسن الثاني رحمه الله، الذي أراد أن يترك للأمة المغربية معلمًا يليق بتاريخها ومكانتها.
علي تستاوت
خبير في الهندسة المدنية والبناء
باحث في التنمية المستدامة
مستشار استراتيجي بالهيئة الدولية للدبلوماسية الموازية