كلميم وادنون… الجهة التي يُراد لها أن تغيب رغم أنف التاريخ والجغرافيا

تُعدّ جهة كلميم وادنون الامتداد التاريخي والاجتماعي الأصيل للصحراء المغربية، وحاضنة كبرى للقبائل الصحراوية التي شكّلت عبر القرون ركيزة في الدفاع عن وحدة التراب الوطني. ورغم هذا العمق التاريخي والثقافي، باتت الجهة تعرف في السنوات الأخيرة نوعًا من التراجع الملحوظ في حضورها داخل السياسات العمومية، وفي التمثيلية المؤسسية المرتبطة بملف الحكم الذاتي، سواء على مستوى الخطاب الرسمي أو داخل مؤسسات ذات حساسية خاصة كالمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية.

هذا التراجع يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى تغييب جهة لها من الرمزية والشرعية التاريخية ما يجعلها في قلب أي تصور استراتيجي للصحراء المغربية، لا في هامشها.


كلميم وادنون… ثقل تاريخي لا يمكن تجاوزه، فتاريخيًا، كانت كلميم وادنون الموطن الأم لجلّ القبائل الصحراوية.
هذا الامتداد القبلي لم يكن يومًا محكومًا بحدود إدارية، بل كان مجالاً حرًا تتحرك فيه القبائل بين واد نون وواد الذهب، ومن الصحراء الشرقية إلى حدود موريتانيا. ولهذا ظلّ الوعي الجمعي في المنطقة يعتبر الجهة جزءًا أساسيًا من المجال الصحراوي المغربي، لا منطقة انتقالية ولا مجرد هامش جغرافي.

كما أن موقع كلميم الاستراتيجي جعل منها على الدوام بوابة الصحراء نحو وسط المملكة وجنوبها الشرقي، وجسرًا تاريخيًا بين العوالم الصحراوية والحضرية. هذا الموقع وحده يكفي لتبرير حضور أقوى للجهة في كل ما يتعلق بالحكم الذاتي.


اختلالات في التمثيلية والتنمية

يدرك أبناء الجهة اليوم أن هناك خللًا واضحًا في:

ضعف التمثيلية السياسية داخل أجهزة القرار الوطني.

محدودية المشاريع التنموية مقارنة بالجهات الجنوبية الأخرى.

غياب الاعتراف المؤسسي بدور الجهة داخل الهوية الصحراوية الرسمية.


هذه الاختلالات لا تضرب مكانة كلميم وادنون فحسب، بل تسيء إلى جوهر مشروع الحكم الذاتي الذي أراده المغرب مشروعًا موحدًا وشاملًا، لا قائمًا على انتقاء جهات على حساب أخرى.

يقدّم أبناء الجهة اليوم مطالب واضحة تستهدف معالجة هذا الخلل، أهمها:

1. إدماج كلميم وادنون إدماجًا كاملاً في كل السياسات المتعلقة بالحكم الذاتي.


2. تعزيز تمثيلية نخبها داخل المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية.


3. تحقيق العدالة المجالية بين الجهات الجنوبية الثلاث داخل كل البرامج التنموية.


4. توسيع مفهوم الهوية الصحراوية ليعكس امتدادها القبلي والتاريخي الحقيقي.


5. إشراك الفاعلين المدنيين المحليين في صناعة القرار الترابي المرتبط بالحكم الذاتي.

هذه المطالب ليست نزعة جهوية ولا بحثًا عن امتيازات، بل دعوة لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.

حول تصريح ولد الرشيد… حين يختلط الكلام بالموقع السياسي

جاء تصريح رئيس جهة العيون، الذي اعتبر فيه أن كلميم وادنون ليست معنية بالحكم الذاتي، ليُفاقم الشعور بالإقصاء. فهذا التصريح ليس فقط غير دقيق، بل يحمل نزعة احتكارية غير مقبولة، ويقدم تصورًا ضيقًا لمفهوم الحكم الذاتي، كأنه مجرد تعويض عن “أراضٍ” كانت تحت الاستعمار الإسباني.

الحكم الذاتي كما صاغه المغرب هو مشروع وطني استراتيجي لتدبير مجال متداخل الخصوصيات، وليس مجرد ردّ على نزاع مفتعل. والدليل أن جلالة الملك أطلق البرنامج التنموي لجهات الصحراء الثلاث كاملة دون استثناء، وهو ما يعكس بوضوح أن وادنون جزء أصيل من هذا الورش الوطني.

ثم إن من يريد حصر الصحراء في الحدود التي تركها المستعمر، ينسى – أو يتناسى – أن تحرير سيدي إفني سنة 1969 على يد قبائل وادنون وآيت باعمران كان هو الشرارة الأولى لاسترجاع العيون سنة 1975. ولولا تحرير إفني لما خرجت إسبانيا من العيون أصلًا.

كما ينسى البعض أن مقذوفات البوليساريو، وإلى أشهر قليلة فقط، كانت تتساقط على أبناء وادنون في المحبس، لا في شوارع العيون.


اللحظة تتطلب وعيًا جماعيًا ويجب أن لاترك جهة كلميم وادنون خارج النسق السياسي للحكم الذاتي يعني تفريغ المشروع من فلسفته الوحدوية.
وإن استبعاد عمق قبائل الصحراء التاريخي هو خطأ استراتيجي لا يمكن قبوله.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الجهة إلى:

صوت موحّد

رؤية واضحة

دفاع عقلاني وقوي عن مكانتها

ووعي جماعي بحساسية المرحلة

فالصحراء المغربية ليست جهة أو اثنتين، بل مجال متكامل تتقاطع فيه روافد التاريخ والجغرافيا والقبيلة والثقافة… وكلميم وادنون في مقدمة هذا الامتداد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد