بعد إلغاء شعيرة الأضحى….. القطيع لازال بخير.
بقلم: زرموح امبارك
في كل مرة أتابع فيها تقارير الإعلام العمومي عن مهرجان “موازين”، ينتابني شعور بالغربة… لا الغربة عن الوطن الذي غادرته منذ أكثر من ربع قرن.
لقد سافرت كثيرًا. عشت في دول تحترم مواطنيها، ترصد معاناتهم، وتبني سياساتها على حاجاتهم. لم تكن تلك الدول مثالية، لكنها كانت صادقة في الحد الأدنى، لا تغني في وجه الجوع، ولا ترقص على أنقاض الكرامة. أما في وطني، فإن السياسات ترقص بلا موسيقى، والسياسيون يختفون وراء نوافذ السيارات المصفحة، أو يمضون أيامهم في عواصم بعيدة، وكأن الوطن مجرد عنوان مؤقت على جواز سفر.
السياسي عندنا لا يعيش معنا. يسكن في خطاب، ويتجول في نشرة أخبار، ويظهر فقط حين يحين وقت الحملات. أما المواطن، فهو مجرد رقم في ماكينة الضرائب، ورصيد بشري يُستهلك عند الحاجة: في الانتخابات، في التقارير الدولية، أو في شعارات الوحدة والتلاحم التي لم نعد نصدقها.
حين يُلغى عيد الأضحى تحت ذريعة “الحفاظ على القطيع”، فيما تصرف الملايين على مهرجانات يغيب عنها الوعي وتحضر فيها الغرابة، يحق لنا أن نسأل: أي قطيع يُراد الحفاظ عليه حقًا؟ هل هو قطيع الأغنام، أم قطيع اللامبالاة الذي يتم تربيته بنجاح على إيقاع الحفلات الصاخبة، ليكبر ويصير جمهورًا صامتًا، يتقن التصفيق ولا يتقن السؤال؟
أنا لا أهاجم الفن، بل أهاجم انعدام التوازن. أهاجم غياب رؤية تجعل من الوطن مشروعًا للكرامة، لا مجرد مسرح مؤقت للزينة السياسية. الإعلام الرسمي يتحدث عن “نجاح جماهيري باهر”، وأنا أتساءل: كم من هذا الجمهور يستطيع دفع كلفة الحياة بعد نهاية العرض؟ كم من هؤلاء عاد إلى حي لا ماء فيه ولا إنارة ولا أمل؟
لقد بتّ غريبًا عن وطنٍ هو كل هويتي. غريب حين أسمع اسمه، غريب حين أرى ما يُفعل باسمه. ومع ذلك، لا زلت أحمله في أضلعي. لا زلت أؤمن بأنه يستحق أفضل من هذا العبث، وأحق بسياسيين يعيشون فيه، لا عليه.