الذكرى العشرون للتنمية البشرية بالمغرب: نحو التقاء المسارين البشري والبيئي

تحلّ الذكرى العشرون لإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي لحظة تاريخية تؤرخ لتحوّل عميق في مقاربة المغرب لمفهوم العدالة الاجتماعية والتوازن المجالي. لقد كانت هذه المبادرة أكثر من مجرد سياسة عمومية ظرفية؛ كانت إعلاناً عن رؤية ملكية تُعيد للإنسان قيمته كمحور لكل تحول اقتصادي أو اجتماعي.

غير أن التحديات التي واجهها المغرب خلال العقدين الماضيين، من فوارق اجتماعية ومجالية إلى تأثيرات التغير المناخي وضغط الموارد، أكدت أن التنمية البشرية، في حد ذاتها، لا يمكن فصلها عن الإطار الأوسع للتنمية المستدامة. فكرامة الإنسان لا تكتمل في ظل العطالة البيئية، ولا يمكن تمكين الأفراد في بيئات منهكة مائيًا، ملوثة هوائيًا، أو معزولة مجاليًا. إن التنمية البشرية، كي تكون فعالة وذات أثر دائم، يجب أن تُبنى على أسس الاستدامة في التخطيط، الحكامة، وتوزيع الموارد.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قدّمت نموذجًا متطورًا للتدخل الاجتماعي، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب ربط هذا المجهود بوعي بيئي وهندسة ترابية متجددة. فمقاربة الاستثمار في الإنسان لم تعد كافية إن لم تواكبها استثمارات ذكية في الفضاء، في البنية، وفي الزمن الاجتماعي والاقتصادي. هنا تبرز أهمية الربط بين الهندسة المدنية كأداة تخطيطية وبنيوية، والتنمية كمسار شمولي، بحيث تُصبح مشاريع البنيات التحتية فاعلًا في إعادة توزيع التمكين، وتقليص الفوارق، وتحفيز الابتكار المجالي.

الهندسة ليست مجرد إسمنت وحديد، بل هي رؤية مجالية تعبّر عن أولويات المجتمع. حين نبني قنطرة في قرية معزولة، فإننا نفتح جسرًا نحو التعليم والصحة والتشغيل. وحين نُحدث محطة معالجة لمياه الصرف في مدينة نحو النمو، فإننا نحمي كرامة السكان ونُعيد التوازن بين الحاجة الحضرية والحق الطبيعي. في هذا السياق، تصبح كل منشأة عمومية – مدرسة، مستوصف، طريق، فضاء أخضر – نقطة التقاء بين الإنسان وبيئته، بين الحق في التنمية والواجب في الحماية.

اليوم، لا يمكن فصل الرهان الاجتماعي عن الرهان البيئي. التنمية البشرية يجب أن تُصبح العمود الفقري لسياسة استباقية تعترف بأن العدالة المناخية والعدالة الاجتماعية وجهان لعملة واحدة. ومن هذا المنطلق، فإن الذكرى العشرين لا تُعد فقط محطة تقييم، بل فرصة لإعادة بناء مفهوم التنمية على أساس متكامل: الإنسان، المجال، الزمن، والبيئة.

إن الرأسمال البشري المغربي، في تلاقيه مع الذكاء المجالي والاستثمار المسؤول، يمثل القوة الصامتة التي ستقود البلاد نحو مرحلة جديدة من البناء: بناء يستند إلى قيم التضامن، ويستحضر تحديات العصر، ويترجم الطموح الجماعي إلى واقع ملموس فوق الأرض، ومن أجل الأرض.

علي تستاوت
خبير في الهندسة المدنية، باحث في التنمية المستدامة
عضو في جمعية المغربية للتنمية البشرية وشؤون الجالية، ومستشار شرفي في المنظمة الدولية للسياسة الموازية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد