المصطفى بلقطيبية.. ذاكرة الصحافة المغربية وضميرها الوطني
في رحاب الصحافة المغربية، يطل علينا اسم المصطفى بلقطيبية كأحد أعلامها البارزين، ورمز من رموز الالتزام الوطني والدبلوماسية الموازية، حيث راكم تجربة طويلة امتدت لعقود من الزمن، جمع خلالها بين العمل الميداني والتأسيس الإعلامي والانخراط في قضايا الوطن الكبرى. وُلد بمدينة مراكش يوم فاتح يناير سنة 1951، وحصل على شهادة البكالوريا في الموسم الدراسي 1967/1968، قبل أن يلج عالم الصحافة مبكرًا وهو في التاسعة عشرة من عمره، عبر الكتابة باللغة الفرنسية في جريدتي “لافيجي مروكان” و“لوبوتي ماروكان”، ليضع بذلك أولى خطواته في مسار مهني سيظل غنيًا بالعطاء والتجديد.
لم تكن الصحافة بالنسبة للمصطفى بلقطيبية مجرد مهنة أو وسيلة للعيش، بل كانت التزامًا وطنيًا راسخًا، تجسد في مشاركته الفاعلة في المسيرة الخضراء سنة 1976، حيث وثّق هذه اللحظة التاريخية ونشر مذكراته في جريدة “ماروك سوار”، ليؤكد أن الصحافي الحقيقي هو الذي يعيش الأحداث ويشارك في صنعها، لا الذي يكتفي بنقلها من بعيد. وقد عمل مراسلًا لعدد من الجرائد الوطنية والدولية، وأسهم في تغطية قضايا مصيرية تتعلق بالوحدة الترابية للمملكة، ليصبح بذلك شاهدًا وموثقًا لمسار طويل من النضال الإعلامي الوطني.
شكلت سنة 1985 محطة فارقة في مساره، حين أصدر الأسبوعية العربية “الوحدة”، التي وزعت على نطاق واسع في العالم العربي، في خطوة عكست وعيه المبكر بأهمية الإعلام العربي المشترك، وقدرته على تجاوز الحدود الجغرافية ليخاطب القارئ العربي أينما كان. كما عمل محررًا في مجلة “اللقاء العربي”، وصحافيًا بجريدة “العالم الفلاحي والصيد البحري”، وشارك في تأسيس جرائد حزبية مثل “رسالة الأمة” و“الميثاق”، ليؤكد أن الصحافة بالنسبة له كانت دائمًا أداة للتنوير والتأطير والمشاركة في البناء الديمقراطي والسياسي.
ولم يقتصر عطاؤه على الصحافة الوطنية المركزية، بل كان له إسهام رائد في الصحافة المحلية والجهوية، حيث أصدر أول جريدة محلية “أصداء ابن امسيك سيدي عثمان”، ثم جريدة “ابن امسيك سيدي عثمان”، إلى جانب إصدار جريدتين جهويتين هما “أصداء السمارة” و“صوت وادي الذهب”. ومن خلال جريدة “أصداء مغربية”، نشر ملفات خاصة حول المنجزات التنموية بالأقاليم الجنوبية، مساهمًا في التعريف بالمشاريع الكبرى التي شهدتها هذه المناطق، ومؤكدًا أن الصحافة ليست فقط لنقل الأخبار، بل أيضًا للتعريف بالإنجازات وتعزيز الانتماء الوطني.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب “المسيرة الذهبية للملوك الثلاثة”، الذي وثّق فيه الزيارات التاريخية التي قام بها الملوك محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس إلى الأقاليم الجنوبية، وما رافقها من مشاريع تنموية منذ انطلاق المسيرة الخضراء، ليضيف بذلك لبنة جديدة في صرح التوثيق الوطني، ويؤكد أن الصحافة يمكن أن تكون أيضًا كتابة للتاريخ وحفظًا للذاكرة الجماعية.
كما كان له حضور بارز في العمل الجمعوي والدبلوماسية الموازية، إذ يُعد من المؤسسين للجمعية المغربية للصحافة المستقلة، والنقابة المستقلة للصحافيين المغاربة، والمؤسس الأول للرابطة الدولية للإعلاميين المغاربة والدبلوماسية الموازية. وقد أسس مجلة “الجالية”، وموقعي “أصداء مغربية” و“الجالية آنفو”، وحاز على عدة شواهد تقديرية خلال مشاركته في لقاءات إعلامية دولية، ليؤكد أن الصحافة بالنسبة له كانت دائمًا جسرًا للتواصل بين المغرب والعالم، وأداة لتعزيز قيم الحوار والتسامح.
ويشغل اليوم منصب رئيس المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح، الاسم الجديد للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية، مواصلًا بذلك مساره الغني بالعطاء، ومكرسًا جهوده لخدمة قضايا الوطن والدفاع عن صورته في الخارج، عبر الإعلام والدبلوماسية الموازية.
إن شخصية المصطفى بلقطيبية تعكس نموذج الصحافي الملتزم بقضايا وطنه، والفاعل في المجتمع المدني، والمؤمن بدور الإعلام في تعزيز الدبلوماسية الموازية ونشر قيم الحوار والتسامح. مساره الطويل هو شهادة على أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية، وأن الصحافي الحقيقي هو الذي يضع قلمه في خدمة وطنه، ويجعل من الكلمة أداة للبناء والتنوير والتواصل. ومن هنا، فإن المصطفى بلقطيبية يظل شخصية مميزة في المشهد الإعلامي المغربي، ورمزًا للصحافة الوطنية التي تجمع بين المهنية والرسالة، بين التوثيق والالتزام، وبين الحاضر والمستقبل.
إن مسار المصطفى بلقطيبية ليس مجرد رحلة مهنية، بل شهادة حيّة على أن الصحافة يمكن أن تكون فعلًا وطنيًا، وذاكرة جماعية، وجسرًا للتواصل بين المغرب والعالم. لقد جسّد في مسيرته معنى الالتزام، وأثبت أن الكلمة الصادقة قادرة على أن تصنع التاريخ، وتدافع عن القيم، وتبني جسور الحوار والتسامح. ومن هنا، يظل بلقطيبية رمزًا للصحافة المغربية الملتزمة، وضميرًا وطنيًا حاضرًا في كل محطة من محطات العطاء.
ادريس العاشري
مرتبط