وأنا أشاهد حلقةً من برنامج “مغارب”، استضاف فيها ابن تازة الأبية، محمد فاتيحي أحد الجنود المغاربة المشاركين في حرب أكتوبر 1973، وجدت نفسي أستمع إلى صوتٍ خرج من عمق التاريخ.
كان الرجل يتحدث بصدق المقاتل الذي عاش النار لا الذي قرأ عنها، يروي تفاصيل الحرب التي حمل فيها المغاربة راية الدفاع عن الأمة، وعن الحرية في وجه العدوان.
لكن أكثر ما شدّني لم يكن بطولاته في الجبهة، بل عتبه الصادق على الإعلام الوطني الذي – كما قال – “لم يُنصف المقاومة المغربية التي سطّرت بدمائها ملاحم الدفاع عن الحرية في كل أرجاء المعمور”.
كانت تلك الكلمات بمثابة جرسٍ داخليٍّ هزّني كإعلامي، لأتساءل:
كم من القصص ما زالت منسية؟
وكم من القرى التي أنجبت المقاومين لم يُكتب اسمها في صفحات التاريخ؟
عندها قررت أن أدرس عينة من ذاكرة المكان… من قرية شهدت ولادتي، وشهدت ولادة العديد من المقاومين: قرية عبودة بإقليم كلميم.
عبودة، القرية الصغيرة على تخوم تلوين التابعة لسيدي إفني زمن الإستعمار الإسباني، كانت خلال الخمسينيات القاعدة الخلفية لجيش التحرير المغربي ضد الاستعمار الإسباني.
كانت لا تبعد سوى كيلومترات عن المواقع العسكرية الإسبانية، أي على مرمى القصف، وعلى مرمى الخطر أيضًا.
في يومٍ من أيام المقاومة، حلّقت طائرات العدو فوقها، وقصفتها بشراسة، فسقطت امرأتان شهيدتان من نساء القرية، لتثبتا أن المقاومة في المغرب لم تكن حكرًا على الرجال.
لكن عبودة لم تكتفِ بالشهادة في حدودها الجغرافية، بل أرسلت أبناءها إلى جبهاتٍ بعيدة:
شهيدًا في أقصى الصحراء، محمد فاضل ولد عبد المعطي يرتقي في معركة الدشيرة شهيدا، دفاعًا عن وحدة الوطن، فيما عاد أبناء عمومته جرحى.
وعبد السلام ولد المختار شهيدًا في الشمال الفرنسي في صفوف المقاومة ضد النازية.
إنها قرية حملت جينات المقاومة منذ البداية، فاختزلت تاريخ وطنٍ بأكمله.
في مساء بعيد هناك في الحي العسكري بإنزكان كان العقيد المتقاعد محمد زرموت، وهو أحد الجنود المغاربة الذين خاضوا حرب 1973.
يتحدث بمرارة من عاشر الموت، كمن يروي لا الحكاية بل الوجع نفسه.
تحدث عن رفاقٍ سقطوا على ضفاف القناة، وعن مغاربةٍ عبروا الحدود لا ليغزوا أرضًا، بل ليحموا قيمةً إنسانية اسمها الحرية.
كان صوته يختصر معاناة أجيالٍ قاتلت في صمت، ثم عادت في صمت، لأن أحدًا لم يسألها أن تروي.
من هنا تبرز أهمية مشروع بناء نصبٍ تذكاري للمقاومة في قرية عبودة، ليكون شاهدًا على التضحيات ومعلّمًا للأجيال.
ذلك النصب لن يكون مجرد بناء، بل وثيقة صامتة تنطق بالعزة، تروي قصة القرية التي قاومت القصف الإسباني، وأرسلت أبناءها إلى جبهاتٍ بعيدة من موريتانيا إلى فرنسا وسيناء، بل حتى معارك الهند الصينية،
هو نداء لردّ الاعتبار لذاكرة الجنوب المغربي، التي ما زالت مطمورة تحت غبار النسيان.
حين يتحدث جندي كالعقيد زرموت أو المقاتل محمد فاتيحي ولا يجد الإعلام من يلتقط كلماته، فالمشكلة ليست فيهم بل فينا.
لقد تركنا الأرشيف يحكي وحده، وتركنا ذاكرة المقاومين تتآكل في الصمت.
إننا بحاجة إلى إعلامٍ وطنيٍّ يكتب كما يقاتل: بصدق، وبوعي، وبمسؤولية.
فمن لم يحمل البندقية في ساحات القتال، فليحمل القلم في ساحات الوعي، لأن الكلمة حين تُقال بصدق، تصبح استمرارًا للمقاومة.
عبودة ليست مجرد قرية صغيرة على أطراف كلميم؛ إنها رمز لوطنٍ لا يشيخ، وذاكرة لوحدةٍ لا تموت.
من نسائها الشهيدات إلى رجالها الذين حاربوا في كل الجبهات، ومن جنديها في سيناء إلى شهيدها في شمال فرنسا، تمتد الحكاية التي لم تُكتب بعد.
ولعل ما بدأته حلقة من برنامج “مغارب”، وما يرويه رجال عاشروا الموت كالعقيد زرموت، سيكون بداية لإحياء تلك الحكاية،
حتى لا يبقى تاريخنا العسكري رهين الأرشيف،
وحتى تبقى عبودة، القرية الصغيرة التي أنجبت الأبطال، شاهدًا على أن الوطن الحي هو الذي يتذكر.