تبقى المناسبة شرط على رأي الفقهاء، والمناسبة هذه المرة الإطلالة الأخيرة للمناضلة كجمولة منت أبي في مناقشة مستقبل الوحدة الترابية: الحكم الذاتي كألية للحل النهائي، حيث
شهدت المائدة المستديرة حول قضية الصحراء لحظة سجال سياسي لافت بين كجمولة منت أبي، المناضلة والبرلمانية السابقة، والدكتور عبد الفتاح نعوم، الباحث والمحلل السياسي، بحضور الفاعل الصحراوي البشير الدخيل، أحد مؤسسي جبهة البوليساريو سابقاً.
كجمولة منت أبي طرحت مجموعة من المقترحات الجريئة، دعت من خلالها إلى مراجعة الخطاب السياسي الرسمي المتعلق بالنزاع، معتبرة أن لغة التخوين ومصطلحات مثل “المحتجزين” أو “الانفصاليين” أو المرتزقة أصبحت متجاوزة ولا تساهم في بناء مناخ حوار إيجابي مع الأطراف الأخرى. وشددت على أهمية تبني خطاب التصالح والاعتراف بالتعدد داخل المكون الصحراوي، مشيرة إلى أن “أهل مكة أدرى ……….”، في إشارة إلى أن الصحراويين هم الأقدر على فهم تعقيدات القضية، وقد يكونون جزءاً من المشكل، لكنهم بدون شك كل الحل.
في المقابل، لم يُخفِ الدكتور عبد الفتاح نعوم تحفظه على بعض تلك الطروحات، حيث دافع عن أهمية عدم التنازل عن المفاهيم السيادية التي تعزز الموقف المغربي في المحافل الدولية، محذراً من أن التخفيف من حدة الخطاب قد يُفهم كرسالة ضعف أو تهاون أمام خصوم الوحدة الترابية.
أما البشير الدخيل، فقدّم طرحاً تصالحياً، مؤيداً دعوة كجمولة إلى طي صفحة الماضي، خصوصاً في ما يخص ملف معتقلي إكديم إزيك، وركز على أن التنمية الشاملة والمصالحة الحقيقية هي السبيل لبناء حل دائم. وأكد أن تمكين النخب الصحراوية من لعب دورها في تدبير الشأن المحلي والجهوي بعيداً عن أي وصاية، هو ما سيؤسس لاستقرار حقيقي في الأقاليم الجنوبية.
اللقاء، بما شهده من اختلافات في الرؤى، عكس عمق النقاش الداخلي حول سبل تجاوز هذا النزاع، مع ميل واضح لدى بعض الفاعلين نحو مقاربة إنسانية وتنموية تتجاوز ثقل الماضي وتفتح آفاق الحل من داخل البيت الصحراوي نفسه.
ويبقى حتى بعد مرور أكثر من 14 سنة على احداث أكديم إيزيك، هذا الملف مفتوحا على مصراعيه، محملا بتفاصيل معقدة بين الوساطة السياسية، والقرار الأمني، وانقسام الرأي العام بين الضحايا والاتهامات الحقوقية. وسط كل هذا، يبرز دور القيادية الصحراوية كجمولة بنت أبي، التي حاولت تجنيب المنطقة المواجهة، قبل أن تجد نفسها، حسب تعبيرها، “ضحية خديعة باسم التهدئة”. … وساطة فاشلة أم خديعة مقصودة؟
كجمولة بنت أبي: “تعرّضنا للخديعة باسم الحوار”
في أكتوبر 2010، خرج آلاف المواطنين الصحراويين إلى منطقة “أكديم إيزيك”، شرق مدينة العيون، في اعتصام مفتوح للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية، وتوزيع منصف للسكن والفرص الاقتصادية. لكن المخيم سرعان ما تحول إلى نقطة توتر سياسي، في ظل اتهامات بوجود تحركات مشبوهة خلف الستار، تحركات إتسمت بالبراغماتية السياسية بين حزب أهل الإستقلال الذي يحتكر المشهد، والحزب الفتي يومها الأصالة والمعاصرة الذي يحاول إنتزاع مؤطأ قدم.
كجمولة بنت أبي، النائبة البرلمانية السابقة، والعائدة في إطار إن الوطن غفور رحيم، دخلت على خط الأزمة بصفتها شخصية تحظى بثقة المعتصمين وبتقدير رسمي. قادت حوارات مكثفة، ونجحت في تقريب وجهات النظر، في مسعى لفض المخيم سلمياً. ووفق ما أفادت به لاحقًا، فإن الدولة التزمت – عبر وسطاء – بتحقيق جزء من المطالب الاجتماعية.
لكن ما حدث فجر 8 نوفمبر 2010 غيّر كل شيء، مع ساعات الفجر الأولى، أقدمت القوات العمومية على تفكيك المخيم بالقوة. وتحوّل التدخل إلى مواجهات عنيفة، أدت إلى مقتل 11 عنصرًا من الأمن والدرك، وسقوط جرحى من الطرفين، فيما وُثقت مشاهد عنف شديدة، بينها تمثيل بجثث بعض القتلى، ما أثار صدمة كبيرة في البلاد.
السلطات المغربية برّرت التدخل بوجود “خلايا انفصالية مسلحة” داخل المخيم، في حين اعتبرت منظمات حقوقية دولية ما وقع “مجزرة سياسية ضد محتجين سلميين”.
أحالت السلطات العشرات من المعتقلين إلى القضاء العسكري، فيما عُرف لاحقًا بـ”مجموعة أكديم إيزيك”. صدرت بحقهم أحكام قاسية، بينها الإعدام والسجن المؤبد، وسط انتقادات من منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية التي طالبت بتحقيقات مستقلة في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.
في المقابل، أكدت الدولة المغربية أن المحاكمة احترمت الضمانات القانونية، واستندت إلى اعترافات وشهادات وأدلة في تصريحات لاحقة، أعربت كجمولة بنت أبي عن استيائها مما وصفته بـ”الغدر” الذي تعرّضت له جهود الوساطة، قائلة: “لقد وعدنا المعتصمين بالحماية مقابل فض الاعتصام… لكن المخيم فُض بالقوة، والضحايا سقطوا من الجانبين”.
وصرّحت بأن ما جرى “أضعف الثقة في الحوار”، وأدى إلى تهميشها سياسيًا رغم محاولاتها التوفيق بين الطرفين.
اليوم، بعد أكثر من عقد، لا يزال ملف أكديم إيزيك حاضرًا بقوة في الذاكرة الصحراوية، ومثار جدل في المحافل الحقوقية الدولية. فبين من يرى أن الدولة دافعت عن أمنها، ومن يعتقد أن المطالب الاجتماعية أُجهضت بالعنف، تبقى الحقيقة الكاملة غائبة… وربما مؤجلة، وهو ما عبرت عنه كجمولة مؤخرا في طلبها لطي ملف معتقلي أكديم إزيك كخطوة أولى لمد جسور التواصل مع الصحراويين، وإطلاق مسلسل الإنصاف والمصالحة وهو ما قد يعيدها للمشهد السياسي من بوابة الشرعية التاريخية والجغرافية..