تتوالى التساؤلات هذا العام حول تراجع أعداد أفراد الجالية المغربية الذين اختاروا قضاء عطلة الصيف في أرض الوطن. يُرجع البعض ذلك إلى الارتفاع المقلق في تكاليف السفر، ويشير آخرون إلى شدة المنافسة من وجهات سياحية بديلة، سواء في جنوب البحر الأبيض المتوسط أو شماله. لكن هل كانت عودة المغترب المغربي يومًا قرارًا محكومًا بقوانين السوق والطلب والعرض؟
إنها قراءة سطحية لظاهرة ذات عمق إنساني وهوياتي. فالمغاربة المقيمون بالخارج لا يزورون وطنهم لمجرد الاستجمام أو قضاء العطل، بل يخوضون رحلة أشبه بـ”حج سنوي” نحو الجذور. رحلة شحن للبطارية الوطنية، واستعادة لدفء الانتماء، وتطهير من برودة الغربة وقسوة الشتات.
يشبه المغترب المغربي في عودته السنوية “سمكة السلمون” التي تشق طريقها عكس التيار، مدفوعة بغريزة البقاء والانتماء. ليست مجازفة من أجل الرفاه، بل نداء داخلي، تحركه مشاعر لا تقاس بموازين الاقتصاد، ولا تُترجم بأرقام المداخيل والنفقات.
هذه الرحلة، وإن بدت موسمية، تكشف عن عمق الرابط بين المواطن ووطنه، وتؤكد أن الجالية ليست مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل خزان استراتيجي للهوية والثقافة والانتماء. وهي بذلك لا تحتاج فقط إلى تسهيلات لوجستية أو إجراءات تنظيمية، بل إلى خطاب وطني يحتضنها، ويزرع في الأجيال الجديدة منها بذور الارتباط الوجداني بالوطن.
على الدولة ومؤسساتها أن تواصل مراقبة الأسعار وتوفير الشروط المناسبة للعودة، نعم، لكن الأهم أن تعمل على ترسيخ قيم الانتماء، وربط الأجيال الناشئة من الجالية بهوية مغربية تجعل من العودة طقسًا وجدانيًا لا تفرضه الظروف بل تدفعه القلوب.
إنه نداء للوطن: أن يظل منبعًا للحياة، تمامًا كما يعود السلمون دومًا، رغم التيار، إلى موطن ولادته.