في تصريحات غير معتادة من أحد أبرز مستشاري الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قال مسعد بولس إن عدد اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر يناهز 200 ألف شخص. وجاء هذا التصريح في وقت تشهد فيه المنطقة تغيّرات دقيقة في موازين القوى الإقليمية والدولية، ما يطرح تساؤلات حول خلفيات هذا التصريح: هل هو محاولة لإحياء ملف طال نسيانه أم ورقة ضغط موجهة إلى الرباط؟
■ توقيت مدروس أم صدفة دبلوماسية؟
لا يبدو أن توقيت هذه التصريحات جاء صدفة. فالمغرب، بعد الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء سنة 2020، عزز من حضوره الجيوسياسي عبر بوابة إفريقيا جنوب الصحراء، واتسعت علاقاته الاستراتيجية مع عدد من القوى الكبرى، من بينها إسرائيل والاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، تعاني الجزائر من تحديات داخلية وخارجية، وتراجع دور جبهة البوليساريو على الساحة الدولية. لذا، فإن إحياء الحديث عن “أزمة إنسانية” في تندوف قد يكون محاولة لإعادة توازن الخطاب الأمريكي، عبر الإيحاء بوجود معاناة مستمرة تستوجب تدخلاً دبلوماسيًا.
■ تضخيم الأرقام: بين السياسة والواقع
رغم أن مسعد بولس تحدث عن 200 ألف لاجئ، فإن معظم التقارير الدولية، بما فيها مفوضية اللاجئين، تقدّر عدد سكان المخيمات بحوالي 90 ألفًا. وتُتهم الجزائر والبوليساريو منذ سنوات بتضخيم هذه الأرقام بهدف استدرار المساعدات الدولية، دون وجود آليات شفافة لضمان وصولها للمستحقين.
الأدهى من ذلك، أن المخيمات لا تضم فقط سكانًا منحدرين من الأقاليم الصحراوية المتنازع عليها، بل تحتضن أيضًا وافدين من مالي وموريتانيا والنيجر، وحتى عناصر من مرتزقة نزاعات الساحل، ما يحولها إلى كيان هجين تستخدمه البوليساريو كأداة ضغط سياسية، وليس كملف إنساني صرف.
■ أبعاد جيوستراتيجية جديدة
تصريحات بولس تأتي أيضًا في ظل سياق دولي يتغير بسرعة. فبعد أن تخلت العديد من الدول عن حيادها السابق في ملف الصحراء ومالت نحو دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، بدأت دوائر في واشنطن وأوروبا تتحدث عن “ضرورة التوازن” بين الحقوق والمصالح.
وبالتالي، قد تمثل هذه التصريحات ورقةً لإعادة خلط الأوراق، أو حتى جس نبض الرأي العام والدبلوماسية المغربية، من خلال توجيه رسالة فحواها: إن ملف الصحراء لم يُقفل بعد، والأمر يحتاج إلى تسوية شاملة، لا مجرد اعتراف أحادي.
■ خلاصة: هل اقترب موعد الحسم؟
لا شك أن تصريحات مسعد بولس ليست بمعزل عن السياق العام الذي يشهده الملف. قد تكون مجرد مبادرة فردية من مسؤول سابق، لكنها تظل دالة على أن ملف الصحراء لا يزال يحتل موقعًا حساسًا في أجندة السياسة الدولية، وأن الأطراف المعنية مطالبة بالتحرك نحو تسوية مستدامة وعادلة، تُنهي معاناة سكان تندوف وتضع حدًا لاستخدامهم كورقة تفاوض.
ففي ظل عالم يُعاد تشكيله على وقع المصالح، تبدو الصحراء أقرب من أي وقت مضى إلى أن تصبح ملفًا دوليًا بامتياز، بعيدًا عن لغة الشعارات… وقريبًا من لغة الأرقام والتوازنات.