مواطنون درجة ثانية: حين يُعاقَب التفوق، ويُدان الاختلاف، وتسقط المدرسة من امتحانها الأخلاقي

لم تعد قصص التمييز داخل المدارس الأوروبية حوادث معزولة يمكن تبريرها بسوء فهم أو اجتهاد فردي. ما يتكشّف اليوم، من بريطانيا إلى فرنسا، هو نمط ممنهج يشي بأن المدرسة – التي يُفترض أن تكون مصنع المساواة – تحوّلت في حالات كثيرة إلى أداة فرز صامتة، تُكافئ التفوق حين يأتي من “المركز”، وتُعاقبه حين يصدر عن “الهامش”، خاصة إذا كان هذا الهامش مسلمًا.
ما عرضه برنامج  المتميز محمد الرماش، مواطنون درجة ثانية لم يكن سوى نافذة على واقع أعمق. واقع يُعاقَب فيه المعلّم لأنه نجح أكثر مما ينبغي، ويُلاحَق فيه الطالب لأنه عبّر عن هويته داخل الفضاء العام.
حين يصبح النجاح تهمة
في بريطانيا، لم يُحتفَ بالمعلم الذي أنقذ مدرسة من الفشل ورفع نسبة النجاح من 4% إلى 75% خلال سنوات من العمل الدؤوب. بل انقلب النجاح إلى عبء، وتحول التفوق إلى شبهة.
لم تُفَتَّش المناهج ولا طرق التدريس، بل الخلفية الدينية. ولم تُحاكَم الوقائع، بل النوايا المفترضة.
الرسالة غير المعلنة كانت واضحة:
ليس الخطر في التطرف، بل في مسلم متفوّق يصل إلى قلب النخبة ويكسر الصور النمطية دون ضجيج.
فرنسا: الجمهورية حين تضيق بالاختلاف
في فرنسا، يتخذ التمييز شكلًا أكثر قسوة لأنه يُمارَس باسم “اللائكية”.
طالبة جامعية تُستهدَف بسبب نشاطها السياسي المؤيد لفلسطين.
أطفال يُتركون لسنوات تحت التنمر والعنف دون حماية فعالة.
فتيات يُطرَدن من المدارس بسبب لباس طويل “قد يُفهم” دينيًا.
لكن أخطر ما في الأمر ليس القرارات الكبرى، بل التفاصيل اليومية التي تكشف عمق الخلل.
في ثانوية بالغرب الكبير الفرنسي، يقف أستاذ تاريخ – الذي يفترض فيه أن يكون حارس الذاكرة الجماعية – عاجزًا عن استيعاب أبسط دروس التاريخ:
أن الاختلاف والتنوع ليسا تهديدًا، بل شرطًا للتطور.
خلال انتخابات ممثلي التلاميذ، حيث يُفترض أن يتعلم الشباب أولى دروس الديمقراطية، اقترحت تلميذة، بهدوء وشرعية، أن تدافع عن اعتماد وسم “حلال” في مطاعم المدارس، استجابة لتنوّع التلاميذ واحترامًا لقناعاتهم.
لم يناقش الأستاذ الفكرة.
لم يفتح حوارًا تربويًا.
بل انفجر صارخًا:
«ما هذا الهراء؟ هذا لن يكون في مدارس الجمهورية!»
في تلك اللحظة، لم يُرفَض اقتراح غذائي، بل رُفض وجودٌ كامل.
وكأن العقيدة لا مكان لها في الفضاء العام.
وكأن ملايين الفرنسيين المسلمين مواطنون بلا مطالب مشروعة، أو ضيوف يُسمح لهم بالصمت لا بالمشاركة.
المدرسة… حين تخون رسالتها
هنا يسقط القناع.
يسقط قناع المربي حين يعجز عن الفصل بين قناعاته الشخصية ووظيفته.
وتسقط المدرسة حين تتحول من فضاء تربية على المواطنة إلى فضاء إعادة إنتاج الإقصاء.
الرسالة التي تلتقطها الأجيال المسلمة اليوم خطيرة وواضحة:
يمكنك أن تنجح، لكن لا تُبالغ.
يمكنك أن تتفوق، لكن لا تقترب من المركز.
يمكنك أن تكون مواطنًا، لكن من الدرجة الثانية.
وهذا هو جوهر الأزمة.
فالتعليم لم يعد سلّم اندماج، بل سقفًا زجاجيًا غير معلن، يُسمح لك برؤيته، لا بتجاوزه.
السؤال المؤجل
إذا كان التطرف يُحارَب بالقانون،
فلماذا يُعاقَب الاعتدال حين يكون مسلمًا؟
وإذا كانت المساواة مبدأً جمهوريًا،
فلماذا يصبح الاختلاف مقبولًا نظريًا، مرفوضًا عمليًا؟
ما يحدث اليوم في مدارس أوروبا ليس صدام حضارات،
بل صدام قيم مُعلَنة مع ممارسات مُخفاة.
صدام بين مدرسة تُدرّس التاريخ،
وتفشل في تعلّم دروسه.

Comments (0)
Add Comment