حتى بعد خمسة وعشرين عامًا من الزواج، لم أكن أتخيّل أن كرة القدم ستتحول داخل بيتي من سبب للعتاب إلى مساحة نقاش مشترك. كانت زوجتي، مثل كثير من النساء، ترى في المباريات منافسًا صامتًا على الوقت والاهتمام، وكان “الريموت كونترول” رمزًا يوميًا لهذا الصراع البسيط الذي تعرفه معظم البيوت المغربية.
لكن منذ الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني المغربي ببلوغه نصف نهائي كأس العالم بقطر، تغيّر المشهد. لم تعد تنتظر نهاية المباراة لتسترجع التلفاز، بل أصبحت تُعدّ لموعد المقابلة، تحفظ التوقيت، تتابع التشكيلة، وتناقش الأداء والتحليل الفني بدقة لافتة. بل صرتُ، في كثير من الأحيان، أستشيرها حين أرتبك في موعد مباراة أو أبحث عن قراءة موضوعية للأداء داخل المستطيل الأخضر.
هذه التجربة الشخصية ليست حالة معزولة، بل تعكس تحولًا مجتمعيًا أوسع فرضته الطفرة الكروية التي يعيشها المغرب. فالكرة لم تعد حدثًا ذكوريًا بامتياز، بل أصبحت لغة وطنية مشتركة، وجدت فيها المرأة المغربية مجالًا للتعبير، والفهم، والمشاركة الواعية.
إن الشغف الذي أبدته النساء تجاه كرة القدم لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع مشروع كروي وطني أعاد الاعتبار للتكوين، والتنظيم، والهوية، وفتح الباب أمام حضور نسائي متزايد في التحكيم، والتسيير، والتحليل الرياضي. وهو ما يدفع اليوم إلى التفكير في خطوة أكثر تقدّمًا: تكوين مدربات كرة قدم واستثمار الخصائص التي تتميز بها المرأة، من صبر، وتركيز على التفاصيل، وقدرة على التأطير النفسي والسلوكي.
فالمرأة التي تُتقن تدبير الأسرة، وتفاصيل الحياة اليومية، قادرة على نقل هذه الملكات إلى ملاعب كرة القدم، خصوصًا في مراحل التكوين الأولى حيث لا تُصنع المهارة فقط، بل تُبنى الشخصية الرياضية.
إن ما بدأ داخل بيت بسيط بصراع على جهاز التحكم، تحوّل إلى قناعة أوسع: المرأة المغربية، حين تقرر الاهتمام، تُتقن وتبدع. وربما سيكون المغرب، كما كان سبّاقًا في الإنجاز، سبّاقًا أيضًا في جعل المرأة شريكًا كاملًا في صناعة كرة القدم الحديثة، من المدرجات إلى مراكز التكوين، ومن المتابعة إلى القيادة التقنية.