مصطفى سلمى.  ………. اللاجئ الذي صار فيلما بلا نهاية

حين عرض دريد لحام فيلمه “الحدود” عام 1984، ظن الناس أنه مبالغة فنية، كاريكاتير سياسي، أو تهكّم لاذع على حال العرب. رجل عربي تائه في معبر حدودي، فقد أوراقه، فصار منفيًا بين بلدين لا يعترف أي منهما به. ضحكنا من مأساة الرجل الذي صار “لا ينتمي” لأي جهة، عالقًا في منطقة رمادية اسمها: اللا شيء.

لكن هناك من لم يضحك، لأن الفيلم صار واقعه.
واحد من هؤلاء هو مصطفى ولد سلمى سيدي مولود.

ولد سلمى، الضابط الصحراوي السابق، الذي عرف جيدًا الداخل الصحراوي، اختار في لحظة مفصلية عام 2010 أن يكسر الخط: أن يعلن دعمًا صريحًا لمقترح الحكم الذاتي المغربي، ويقرر أن يعود إلى بلده.

كانت تلك لحظة تشبه تمامًا ما فعله بطل “الحدود” حين قرر أن يتجاوز السخرية ويقول: “أنا إنسان!”
لكن الفرق أن دريد لحام انتهى به الفيلم.
أما مصطفى، فقد بدأ به احتجاز طويل بلا تهمة.

اعتُقل. ثم أُبعد قسرًا إلى موريتانيا.
ومنذ أكثر من أربعة عشر عامًا، وهو يعيش بين المنافي: لا هو لاجئ بمعناه الكامل، ولا مواطن معترف به، ولا حتى مُتهم يخضع لمحاكمة.
تمامًا كـ”عبد الودود سليم الحمصي” في الفيلم، يتنقل مصطفى ضمن سجن مفتوح بلا سياج، وبلا تصريح مرور.

الاختناق السياسي كان في أوجه في خريف 2010.
مخيم اگديم إيزيك كان يغلي، والمغرب يعتبره أخطر تحدٍّ منذ وقف إطلاق النار.
وسط هذا البركان، قرر ولد سلمى العودة، والتعبير عن موقف معاكس تمامًا لخط البوليساريو.

قرار نبيل؟ ربما.
مبادرة حرة؟ بلا شك.
لكن السؤال: هل كان التوقيت يُغتَفر؟

في السياسة، حتى المبادرات الصادقة تصبح محل ريبة إن وُلدت في لحظة توتر.
ومن هنا، يُفهم جزئيًا لماذا لم يُفتح له الباب.
لكن، هل كان الحل هو إعدامه مدنيًا ونفيه نهائيًا؟

في نهاية فيلم “الحدود”، صرخ البطل:
“أنا إنسان… مش حدود!”
لكن مصطفى لا يصرخ. لقد تعب.

كل المؤسسات تخلّت عنه:

المفوضية اكتفت بتسجيله.

موريتانيا آوته بلا اندماج.

المغرب لم يمنحه طريق العودة.

البوليساريو نبذته لأنه فكّر.


وها هو يعيش نسخة ممتدة من الفيلم،
لكن لا جمهور يصفق،
ولا مخرج يقول: “اقطع! انتهى المشهد.”

مصطفى ولد سلمى ليس وحده العالق في مشهد بلا نهاية، بل هناك الآلاف من الصحراويين الممزقين بين قرارات الأمم المتحدة، وصراعات الولاء، وسجالات الجغرافيا.

لكن العالم اليوم تغيّر.
مجلس الأمن الدولي، في قراره الأخير، بات واضحًا في دعمه لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي للنزاع.
الديناميات الإقليمية تغيّرت.
المواقف تتبلور نحو تسويات عقلانية لا أحلام أيديولوجية.

وفي هذا السياق الجديد، ما المبرر لبقاء من هم مثل مصطفى خارج الوطن؟
أما آن الأوان أن يُطوى هذا الملف الإنساني، لا السياسي فقط؟

أما آن لهذا الفيلم الطويل أن يُسدل عليه الستار؟
أما آن لـ”الحدود” أن تعود مجرد فيلم… لا واقعًا يُدفن فيه الإنسان حيًّا؟

Comments (0)
Add Comment