أعلن الاتحاد الإفريقي والمملكة المتحدة عزمهما عقد اجتماع إستراتيجي رفيع المستوى في لندن خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في خطوة ترمي إلى تعزيز الشراكة الإفريقية-البريطانية ودعم التعددية والتنسيق في قضايا السلم والأمن والتنمية داخل القارة الإفريقية.
وجاء هذا الإعلان عقب لقاء جمع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بوزيرة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية بمقر الاتحاد في أديس أبابا، حيث شدّد الطرفان على أهمية الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى أكثر نجاعة واستدامة، باعتباره ركيزة أساسية لدعم الاستقرار والتنمية ومواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة في إفريقيا.
الصحراء المغربية… من ملف نزاع إلى معيار شراكات
ولا يمكن فصل هذا الحراك الدبلوماسي عن التحولات العميقة التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد موقف الاتحاد الأوروبي، والإجماع المتزايد داخل العواصم الأوروبية على اعتبار مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحلَّ الأكثر واقعية، جدية، وقابلية للتنزيل، في انسجام تام مع روح ومضامين القرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن.
هذا التراكم النوعي جعل المغرب، عمليًا، قد حسم معركة الإقناع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، من أوروبا إلى أمريكا الشمالية، مرورًا بعدد متزايد من القوى الآسيوية، وهو ما عزّز موقع الرباط كشريك موثوق في المعادلات الإقليمية والدولية، لا سيما في ملفات الأمن، ومحاربة الإرهاب، والربط الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا.
محاولات الإقحام… سياسة خارج الزمن
في المقابل، يُرتقب أن تثير التحضيرات للاجتماع الإفريقي-البريطاني نقاشًا متجددًا حول محاولات إقحام جبهة البوليساريو في هذه الشراكات، على غرار ما رافق قمم سابقة بين الاتحاد الإفريقي وشركائه الدوليين.
وتقود هذه التحركات كلٌّ من الجزائر وجنوب إفريقيا، في محاولة لإعادة بعث أطروحات فقدت زخمها السياسي والدبلوماسي، في وقت تتجه فيه القوى الدولية نحو مقاربات براغماتية تُغلّب الاستقرار والتنمية على منطق الصراعات المفتعلة.
الجزائر… من العزلة الدبلوماسية إلى الاستفزاز الميداني
ويُفسَّر هذا الإصرار الجزائري بحالة التخبط السياسي التي تعيشها بعد أن عادت من رحلة خمسين سنة من الاستثمار المالي والدبلوماسي في أطروحة الانفصال بخُفَّي حُنين، دون تحقيق أي اختراق إستراتيجي يُذكر.
وفي سياق هذا الإخفاق، لجأت الجزائر مؤخرًا إلى خطوة استفزازية أحادية تمثلت في رسم حدود من طرف واحد عبر صباغة أكوام من الأحجار شرق فكيك، قرب قصر إيش، في سلوك لا يُغيّر شيئًا في الحقائق القانونية ولا في موازين الاعتراف الدولي، بقدر ما يكشف انتقال الدبلوماسية الجزائرية من منطق الفعل السياسي إلى منطق الاستفزاز الرمزي منخفض الكلفة.
وتُقرأ هذه الخطوة باعتبارها محاولة يائسة للتشويش على النجاحات الدبلوماسية المغربية، ورسالة توتر لا تجد لها صدى يُذكر خارج حدودها، في ظل إجماع دولي متنامٍ على مركزية الحل المغربي وشرعيته.
الرباط… دبلوماسية الواقع لا الشعارات
في المحصلة، يبدو أن الاجتماع المرتقب في لندن سيؤكد، مرة أخرى، أن زمن توظيف المنصات الدولية لخدمة أجندات انفصالية قد ولّى، وأن الشراكات الإفريقية-الدولية الجديدة تُبنى اليوم على منطق الفاعلية، والشرعية، والمصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف سيادي، بل تحوّلت إلى معيار لقياس نضج الشراكات الدولية، حيث باتت الدول والمؤسسات الدولية تُفاضل بوضوح بين منطق البناء والاستقرار، ومنطق الاستنزاف السياسي الذي لم يُنتج سوى الجمود والتوتر.