في حضرة أبي… حين تُروى الخيبة مرتين

في يوم ربيعي بهولندا، وبعد ان انتهيت من مشاهدة فتح الله ولعلو في آخر خرجاته……. والشمس تهمس للأشجار بعد طول غياب، تراءى لي أبي. لا كطيف غائم، بل كحضور كثيف في داخلي، يراقبني دون أن ينبس بكلمة.
كلما شعرت بالضياع، أو خيبة الأمل، أو ذلك التيه الوجودي المباغت، رأيته هناك…
في الأفق، يرمقني بنصف نظرة.

تذكرت يومًا بعيدًا، حين عدت من الجامعة إلى بيتنا في المدينة الهامشية، وكنت يومها طالبًا مفعمًا بالحماسة، رأيت في النضال خلاصًا، وفي الشارع مقعدًا أكثر فاعلية من مقعد الدرس. كنت أشارك في المسيرات الطلابية المؤطرة من طرف طه وياسين، التوأمين اللذين كنا نظنهما من نسل الثوار……. كانا تشي وجيفارا في شخصين….. يلهبان حماسنا ونحن نصدح بشعارات التغيير.

كنا نغني، نهتف، نفرح أننا “نقاوم” ، نصبر على الشمعة حتى تكمل إحتراقها، بدل أن نحفظ الدروس. كنا نظن أنفسنا نصنع التاريخ.

وفي إحدى تلك الأمسيات، شاركت أبي بحماسٍ اكتشفته الآن ساذجًا. قلت له:
– قرأت في الاتحاد الاشتراكي أن وزيرًا ألمانيًا أوقفه شرطي، وسحب منه رخصة السياقة لأنه كان يقود بسرعة، تخيل! حتى الوزير لا يُستثنى من القانون هناك.

ضحك أبي، ضحكة خفيفة  لكنها تخفي الكثير من الوجع، ثم رمقني بتلك النظرة التي لا تنسى، وقال:
– وفي جريدة الاتحاد الاشتراكي قرأتها؟ غدًا سيحكمونكم، وسترى الفرق بين القول والفعل.

ضحكت يومها، ربما ظننت أنه متشائم أو يحمل على الحزب أكثر مما يجب. لكن مرت السنوات… ومرت.

وحين جاءت حكومة التناوب، وعاد فتح الله ولعلو، ذاك الذي كان يزبد ويرعد في البرلمان، ويكاد يقطر من صوته حديدًا، وجد نفسه وزيرًا للمالية. ويا للمفارقة!
في عهده… تم بيع كل شيء.
القطاعات العمومية، مؤسسات الدولة، أحلامنا، وحتى اللغة التي كنا نحلم بها في الشارع.

فهمت متأخرًا أن كلمات أبي لم تكن سخرية، بل كانت نبوءة رجل جُبلت بصيرته في نار النضال، رجل انخرط في جيش التحرير قبل أن يبلغ الخامسة عشرة، واغترب في أوروبا لا ليغتني، بل ليعود وفي جعبته حكمة لا تُعلَّم في الجامعات.

وفي مساء آخر، بعد أن خف صخب الأيام، فتحت التلفاز، ففاجأني وجه مألوف…على القناة الثانية،  كان “ياسين”، أحد التوأمين، في برنامج حكومي يعاد كل أسبوعين، يتحدث عن مواضيع أشبه بالعلك البارد: “دور الفن في الابتسامة”، أو “الشباب وتحديات الأمل”.
لحظتها، انفجرت داخلي ضحكة مرة، تشبه ضحكة أبي.
فهمت أخيرًا أن النضال، أحيانًا، ليس سوى جسرٍ معبّدٍ بظهورنا، يمر فوقه من كان يصيح باسمنا، ليجلس حيث لم نُدعَ نحن أبدًا.

واليوم…
في قلب ربيع أوروبي،
أشعر أن أبي لا يراقبني لأني خذلته،
بل لأني – مثله – عرفت الحقيقة متأخرًا، بعد أن دفعت ثمن التصديق.

Comments (0)
Add Comment